
يكشف التصعيد الحوثي الأخير عن علاقة متزايدة بين الضغوط الداخلية التي تواجهها جماعة (أنصار الله) الحوثيين وبين توسيع ساحات المواجهة خارج مناطق سيطرتها. فالهجمات على السعودية والملاحة، ثم اتساع العمليات داخل مأرب وحضرموت والمخا، جاءت بالتوازي مع مؤشرات على تدهور اقتصادي وتوترات قبلية في شمال اليمن، وهو ما يطرح سؤالًا يتجاوز فكرة “الهروب إلى الخارج”: هل تستخدم الجماعة التصعيد لإعادة بناء قدرتها على الردع وتحسين موقعها الاقتصادي والسياسي في لحظة داخلية أكثر هشاشة؟
هذا السؤال يكتسب أهمية أكبر بعد تحذير المبعوث الأممي هانس غروندبرغ، يوم الخميس 13 آب/ أغسطس الجاري، من أن اليمن يواجه خطر العودة إلى نزاع واسع هو الأكبر منذ هدنة 2022. فالمشهد لم يعد قائمًا على جبهة واحدة، وإنما على تفاعل ضغوط اقتصادية وقبلية وعسكرية مع صراع إقليمي يوسع خيارات التصعيد ويضيّق في الوقت نفسه مساحة التسوية.
التصعيد كأداة لإدارة الضعف
يرى تحليل نشرته منصة «ذا سايفر بريف» الأمريكية أن أزمات الحوثيين الداخلية والخارجية باتت مترابطة بدرجة تجعل الفصل بينها صعبًا. ويشير إلى أن الجماعة تواجه تراجعًا اقتصاديًا وتحديات قبلية، خصوصًا في الجوف، حيث ظهرت تحركات واسعة لقبيلة دهم ضد سلطات الجماعة.
ويقدم التحليل ثلاثة تفسيرات عملية لتوقيت التصعيد. الأول يرتبط بالردع؛ إذ قد تسعى الجماعة إلى منع خصومها من قراءة المشكلات الداخلية بوصفها مؤشرًا على ضعف الرغبة في المواجهة.
والثاني اقتصادي، حيث يمكن أن يتحول الضغط على السعودية إلى وسيلة للحصول على موارد أو تنازلات تخفف الأزمة المالية.
أما الثالث فيتصل بالفرصة التكتيكية التي أتاحتها اضطرابات مضيق هرمز، بعدما زادت أهمية باب المندب والبحر الأحمر لمسارات الطاقة السعودية.
هذه القراءة تساعد على تفسير بعض أنماط السلوك الأخيرة. فالهجمات الحوثية تختار أهدافًا ذات أثر اقتصادي وسياسي مرتفع، مع محاولة الإبقاء على التصعيد ضمن حدود لا تستدعي مواجهة شاملة. غير أن هذه المقاربة تقدم حلولًا قصيرة الأجل لمشكلات أعمق تتصل بالاقتصاد، والقبائل، والقدرة على تمويل منظومة الحكم والحرب.
وفي هذا السياق، تكتسب الإشارة إلى الجوف أهمية خاصة. فالقبائل بقيت طوال الحرب لاعبًا سياسيًا واجتماعيًا يصعب اختزاله في علاقة ولاء ثابتة، ومع تراجع الموارد يصبح الحفاظ على شبكات التحالف أكثر كلفة. وإذا اتسعت التوترات القبلية بالتزامن مع الضغط الاقتصادي، فقد تتحول نقاط الضعف الداخلية من أزمة قابلة للإدارة إلى عامل يؤثر مباشرة في قدرة الجماعة على الاستمرار في التصعيد الخارجي.
حين يعود التصعيد إلى الداخل اليمني
يتزامن هذا الضغط الداخلي مع توسع العمليات العسكرية ضد مناطق خاضعة للحكومة اليمنية وقوات متحالفة معها. وقد رأت «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» أن هجمات مأرب وحضرموت والمخا تنذر بخطر عودة البلاد إلى مواجهة واسعة بعد سنوات من ثبات خطوط القتال نسبيًا.
وتحمل هذه العمليات دلالة مزدوجة. فهي تزيد الضغط على خصوم الحوثيين داخل اليمن، وتسمح للجماعة في خطابها السياسي بربط المعارك المحلية بالمواجهة مع السعودية. وقد وصفت وسائل إعلام حوثية بعض الهجمات بأنها استهداف لـ”تحشيدات سعودية”، رغم أن معظم الأهداف كانت قوات يمنية.
وفي المقابل، لا تظهر السعودية حتى الآن رغبة واضحة في العودة إلى حرب برية واسعة. وتتحرك الرياض بين خيارات الردع، وحماية الملاحة، ومحاولة إبقاء باب التفاوض مفتوحًا. ويزيد هذا التردد من حساسية المرحلة؛ فغياب رد كبير قد يشجع الجماعة على اختبار حدود إضافية، بينما يحمل الرد الواسع خطر إعادة فتح حرب حاولت الأطراف احتواءها منذ 2022.
وتتقاطع هذه المخاوف مع إحاطة المبعوث الأممي غروندبرغ أمام مجلس الأمن، التي ربطت استمرار الهجمات على السفن بخطر جر اليمن بصورة أعمق إلى الصراع الإقليمي. كما أكد أن الهدوء الذي أتاحته هدنة 2022 لا يمكن أن يستمر بلا تقدم سياسي، ودعا إلى وقف التصعيد والتوصل إلى وقف لإطلاق النار.
الدلالة الاستراتيجية
تظهر الصورة الحالية أن أزمة الحوثيين الداخلية ليست منفصلة عن سلوكهم الخارجي. فالتصعيد يمنح الجماعة أدوات للردع، ومجالًا لتحسين موقعها التفاوضي، وربما فرصة للحصول على مكاسب اقتصادية، لكنه يزيد في الوقت نفسه من اعتمادها على استمرار بيئة الصراع.
وهنا تكمن المعضلة بالنسبة لعملية السلام. فكلما أصبح التصعيد وسيلة لمعالجة اختلالات اقتصادية وسياسية داخلية، ازدادت صعوبة تحويل الهدوء إلى تسوية مستدامة. كما أن توسع الحرب الإقليمية يمنح الأطراف المحلية أسبابًا إضافية لتأجيل التنازلات، ويجعل الملف اليمني أكثر ارتباطًا بتفاهمات تتجاوز حدوده.
ويعني ذلك أن استئناف المسار السياسي يحتاج إلى أكثر من خفض مؤقت للهجمات. فالوساطة مطالبة بمعالجة عناصر الضغط التي تجعل التصعيد خيارًا ذا عائد، وفي مقدمتها الموارد، والرواتب، وأمن المنشآت، والعلاقة بين الاقتصاد وتمويل الحرب.
المؤشر الحاسم
يرتبط الاتجاه المقبل بقدرة الحوثيين على احتواء الضغوط الاقتصادية والقبلية من دون تحويل التصعيد الخارجي إلى مصدر دائم للموارد والشرعية السياسية. فإذا اتسعت التوترات الداخلية بالتزامن مع استمرار الهجمات على السعودية والجبهات الحكومية والملاحة، فقد يصبح التصعيد أداة ضرورية للحفاظ على تماسك النظام أكثر من كونه خيارًا تفاوضيًا مؤقتًا.
أما ظهور مسار سياسي يعالج الموارد والرواتب وأمن المنشآت بالتوازي مع وقف الهجمات، فسيعطي مؤشرًا مختلفًا: انتقال الأطراف من إدارة أزمات متداخلة إلى محاولة تفكيك أسبابها، وهو الشرط الأهم لمنع عودة اليمن إلى حرب واسعة.
