استكمالاً للقراءة التحليلية التي نشرها المركز يوم الثلاثاء 10 مارس حول تداعيات التصعيد الإقليمي، يقدم مركز أوسان اليوم ورقة تقدير موقف معمقة تركز على الجوانب الاستراتيجية الدقيقة وانعكاساتها بعيدة المدى على مسار الاستقرار..
يمر الشرق الأوسط بمرحلة استثنائية من إعادة صياغة موازين القوى، حيث تتداخل المواجهات العسكرية المباشرة مع تحولات عميقة في مفهوم النفوذ والتحالفات العابرة للحدود. إن التصعيد الأخير بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم يعد مجرد اشتباك حدودي، بل أصبح حراكاً جيوسياسياً يعيد طرح التساؤلات الجوهرية حول مستقبل الاستقرار في المنطقة برمتها.
ويبرز في هذا السياق “التريث العملياتي” الذي تبنته القوى المتحالفة مع طهران، وهو سلوك يمكن تفسيره كعملية معايرة دقيقة تهدف إلى الموازنة بين الالتزامات الإقليمية وبين المصالح الوطنية والمحلية الضيقة. وفي قلب هذا المشهد، تبرز الجغرافيا اليمنية كواحدة من أكثر الساحات تأثراً؛ حيث يرتبط مسار التهدئة اليمني بشكل عضوي بتلك التفاعلات، مما يفتح نافذة زمنية لتعزيز فرص بناء السلام إذا ما تم استغلال هذا المناخ لتحييد الملف اليمني عن ارتدادات الصراعات الكبرى.
التريث العملياتي
يشير غياب الانخراط المباشر والمكثف للقوى المتحالفة مع إيران في المواجهة الحالية إلى تحول ملموس في استراتيجية إدارة الأزمات الإقليمية. ويبدو أن القرار الميداني لم يعد يتحرك وفق ردود الفعل التقليدية، بل بات يخضع لبراغماتية تركز على “البقاء السياسي” وتجنب الاستنزاف الشامل.
وقد أدت الضربات النوعية التي استهدفت مراكز القيادة والسيطرة إلى خلق نوع من “الانفصال التكتيكي” المؤقت، مما دفع الفاعلين المحليين إلى منح الأولوية لتدعيم جبهاتهم الداخلية وتجنب الانجرار وراء مواجهة مفتوحة مع قوى كبرى تمتلك قدرات تكنولوجية متقدمة. هذا السلوك الميداني يقلل من مخاطر تحويل الساحات المحلية إلى نقاط اشتباك مفتوحة، ويحمي المكتسبات السياسية التي تشكلت على مدار سنوات من العمل السياسي والدبلوماسي.
علاوة على ذلك، فإن حالة عدم اليقين التي ترافق عمليات انتقال السلطة والترتيبات الدستورية في مراكز القرار الإقليمية، فرضت واقعاً يتسم بالمراقبة الدقيقة قبل اتخاذ خطوات قد تعيد تشكيل خارطة النفوذ. ويكشف هذا المشهد عن تعقيد متزايد في مفهوم “وحدة الساحات”، حيث أصبحت الاعتبارات السيادية لكل فصيل تتقدم عملياً على الأجندات العابرة للحدود.
ويمثل هذا التحول مادة خصبة للجهود الدولية الداعية للسلام، للتعامل مع هذه الأطراف ككيانات سياسية تمتلك مصالح محلية قابلة للتفاوض، بعيداً عن صراعات المحاور الكبرى، مما يمهد الطريق لبناء جسور ثقة مبنية على الواقعية السياسية والاحتياجات الوطنية الملحة للسكان في تلك المناطق المشتعلة، وبما يخدم تعزيز مسارات السلام في اليمن بعيداً عن الاستقطاب.
التحييد الاستراتيجي
يظل اليمن هو الساحة الأكثر حساسية وقابلية للتأثر بهذه الارتدادات، نظراً للتشابك المعقد بين ملفاته الداخلية وتفاهمات الإقليم. واللافت في هذا الإطار هو التباين الواضح بين الخطاب السياسي المتضامن وبين الفعل العسكري المحسوب؛ حيث حافظت حركة أنصار الله في اليمن على مستويات من التحرك الميداني تضمن عدم إغلاق أبواب التهدئة مع الجوار الإقليمي، وتحديداً مع المملكة العربية السعودية.
إن هذا التوازن الدقيق يعكس رغبة في حماية مسار التفاهمات الذي نضج عبر وساطات متعددة منذ عام 2024. إن استدامة هذا المسار تتطلب ما يمكن وصفه بـ “التحييد الاستراتيجي”، وهو فصل الملف اليمني تماماً عن أي مغامرات إقليمية قد تطيح بآمال الاستقرار والتعافي الاقتصادي المنشود.
ومن منظور تحليل السلام، فإن تراجع مستويات التدخل الخارجي المباشر أو انشغال القوى الإقليمية بترتيب أولوياتها يمثل فرصة لتعزيز المقاربات الوطنية الخالصة. فكلما انخفضت حدة التنافس الإقليمي المباشر، زادت فرص تحويل التهدئة الحالية إلى عملية سياسية شاملة ومستدامة.
إن نجاح هذا التوجه لا يخدم الداخل اليمني فحسب، بل يمثل ضمانة أمنية للممرات المائية الحيوية في البحر الأحمر وخليج عدن. لذا، فإن استثمار اللحظة الراهنة يتطلب دعماً دولياً يركز على تحويل “الهدنة العسكرية” إلى “سلام مؤسسي” يضمن حقوق كافة المكونات اليمنية، وبما يحقق الأمن القومي للمنطقة برمتها بعيداً عن سياسات الاستقطاب الحاد التي أنهكت المقدرات الوطنية لسنوات طويلة.
رهانات الاستقرار
لقد أفرزت المواجهة الإقليمية الراهنة واقعاً يتسم بـ “الواقعية الاضطرارية” لدى الفاعلين المحليين في اليمن. ويعتمد رهان الاستقرار القادم بشكل كلي على مدى قدرة الأطراف اليمنية والمجتمع الدولي على انتزاع الملف اليمني من سياق الصراعات المفتوحة في الشرق الأوسط.
كما أن تثبيت قواعد اشتباك محلية تفضي إلى تسوية سياسية شاملة هو المخرج الوحيد لمنع تحول الجغرافيا اليمنية إلى ساحة لتصريف النزاعات الخارجية.
إن مستقبل اليمن يجب أن يُصاغ بإرادة وطنية تضع استقرار البلاد فوق كل اعتبار، وهو المسار الذي يضمن في نهاية المطاف حماية الأمن والسلم الدوليين وتأمين المصالح الاقتصادية الحيوية المرتبطة بالمنطقة، بعيداً عن لغة المواجهة والصدام التي أثبتت التجارب عدم جدواها في تحقيق استقرار مستدام.
