تتزايد المؤشرات على أن التوترات الإقليمية المتصاعدة بين إيران وخصومها قد بدأت تلقي بظلالها على الساحة اليمنية، في لحظة حساسة تشهد فيها البلاد محاولات متعثرة لإحياء مسار تسوية سياسية شاملة. ففي أحدث المواقف العلنية، وصف زعيم جماعة الحوثيين عبد الملك الحوثي الهجوم على إيران بأنه “ظالم”، معتبراً أن الرد الإيراني يندرج في إطار الدفاع عن النفس. كما برر الضربات التي استهدفت دولاً في المنطقة باعتبارها ردّاً على الوجود العسكري الأمريكي، داعياً أنصاره إلى الخروج في تظاهرات للتأكيد على ما وصفه بالجهوزية لأي تطورات.
هذا الخطاب يعكس درجة من الارتباط السياسي بين التوتر الإقليمي وبين الخطاب المحلي في اليمن، حيث تميل بعض الأطراف إلى قراءة التطورات الإقليمية باعتبارها امتداداً لمعادلات الصراع الأوسع في المنطقة. وفي هذا السياق، أشارت تقارير إلى أن الجماعة تدرس خيارات لاستهداف أهداف إسرائيلية قريبة جغرافياً من اليمن في حال توسعت دائرة المواجهة الإقليمية.
وبالنسبة لمتابعي مسار السلام في اليمن، فإن مثل هذه الإشارات تثير مخاوف حقيقية من احتمال إعادة ربط النزاع اليمني بالاستقطاب الإقليمي، بعد سنوات من الجهود الدولية الرامية إلى عزله عن تلك التوترات. إذ إن تحويل اليمن مجدداً إلى ساحة للتجاذبات الإقليمية قد يعيد إنتاج أنماط الصراع التي أعاقت فرص التسوية طوال السنوات الماضية.
هشاشة المسار السياسي
في هذا السياق، حذّر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من أن البلاد لا تحتمل أن تتحول مرة أخرى إلى ساحة لصراع إقليمي واسع. وأكد أن أي خطوات قد تقوض فرص السلام أو تجرّ اليمن إلى مواجهة إقليمية ستكون لها عواقب خطيرة على المدنيين، مشدداً على أن مستقبل البلاد يجب أن يتحدد من خلال عملية سياسية شاملة، لا عبر انعكاسات المواجهات العسكرية في المنطقة.
هذه التحذيرات تعكس إدراكاً دولياً متزايداً لحساسية المرحلة الحالية. فاليمن، الذي يعيش هدنة غير معلنة منذ فترة، لا يزال يفتقر إلى اتفاق سياسي شامل ينهي حالة الحرب رسمياً. وفي ظل هذا الفراغ، تبقى البيئة السياسية والأمنية عرضة للتأثر السريع بأي تحولات إقليمية.
تكمن إحدى الإشكاليات الرئيسية في أن النزاعات المحلية في المنطقة غالباً ما تتأثر بدرجات متفاوتة بالتوازنات الجيوسياسية الأوسع. وفي حالة اليمن، يتقاطع الملف الداخلي مع عدد من المسارات الإقليمية، بما في ذلك العلاقات الإيرانية مع أطراف مختلفة في المنطقة، وكذلك الجهود الدبلوماسية التي شهدتها الفترة الماضية لخفض التوترات الإقليمية.
وقد تزايد الاهتمام الدولي خلال العامين الماضيين بمحاولة فصل مسار السلام اليمني عن الاستقطاب الإقليمي، إدراكاً بأن استقرار البلاد لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال مقاربة تركز على العوامل المحلية أولاً. غير أن أي تصعيد إقليمي واسع قد يعيد خلط الأوراق ويضعف الزخم الذي تراكم بصعوبة حول فكرة التسوية السياسية.
اليمن وفرص السلام
في قلب هذه المعادلة المعقدة، يظل اليمن إحدى الساحات الأكثر حساسية لتداعيات الصراع الإقليمي، نظراً لتشابك ملفه مع مجموعة من التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة. فموقعه الجغرافي عند مدخل البحر الأحمر وخليج عدن يمنحه أهمية استراتيجية تتجاوز حدوده الوطنية، ما يجعل استقراره جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي الأوسع.
كما أن مسار التفاهمات الإقليمية خلال العامين الماضيين، بما في ذلك محاولات تخفيف التوتر بين بعض القوى الإقليمية، ارتبط جزئياً بتهيئة بيئة أكثر ملاءمة لإنهاء الحرب في اليمن. غير أن استمرار التوترات العسكرية في المنطقة قد يضع هذه المسارات أمام اختبار صعب، خاصة إذا انعكست تلك التوترات على الخطاب السياسي أو الحسابات الاستراتيجية للأطراف المحلية.
وتشير تقارير الدولية إلى أن النقاشات داخل العواصم المؤثرة في المنطقة لا تزال تعكس تبايناً في المقاربات تجاه كيفية التعامل مع التحديات الأمنية المرتبطة بإيران. ففي الوقت الذي شهدت فيه المنطقة محاولات للتهدئة خلال الفترة الماضية، كشفت صحيفة (Washington Post) الأمريكية عن نقاشات سابقة أجرتها السعودية وإسرائيل مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول خيارات أكثر صرامة في التعامل مع طهران، وهو ما يعكس حجم التعقيد الذي يحيط بالبيئة الاستراتيجية المحيطة باليمن.
من منظور تحليل السلام، يبقى التحدي الأساسي في منع انزلاق النزاع اليمني مجدداً إلى دائرة الصراع الإقليمي. فالحفاظ على مسار سياسي قابل للحياة يتطلب تحييد اليمن قدر الإمكان عن الحسابات الجيوسياسية الأوسع، والتركيز على معالجة جذور الأزمة المحلية عبر عملية سياسية شاملة تضم مختلف الأطراف اليمنية.
وفي نهاية المطاف، قد لا تكون المخاطر الأكبر مرتبطة بالتصعيد العسكري المباشر بقدر ما ترتبط بتآكل الثقة الهشة التي تشكلت حول فكرة السلام. وإذا ما استمرت التوترات الإقليمية في التأثير على الخطاب السياسي المحلي، فقد تجد الجهود الدولية نفسها أمام مهمة أكثر تعقيداً في إعادة بناء الزخم نحو تسوية سياسية مستدامة في اليمن.

التعليقات مغلقة.