مشاركة المادة

مركز أوسان | أحمد حسن

بدأ انعكاس التصعيد في اليمن يظهر خارج ساحات القتال، بعدما امتد أثره إلى حركة الطاقة والتجارة في البحر الأحمر. فمحاولات استهداف منشآت نفطية سعودية، وتغيير مسارات ناقلات الخام، تكشف أن الصراع يدخل مرحلة تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية إلى اختبار قدرة الاقتصاد الإقليمي على استيعاب تداعياته.

وفي ظل هذا التحول، تواجه جهود السلام تحديًا جديدًا يتمثل في احتواء حرب تتسع كلفتها الاقتصادية بالتوازي مع تعقيداتها السياسية والأمنية.

وتزامنت الهجمات الأخيرة مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، ما أضفى على الساحة اليمنية بعدًا إقليميًا أكثر وضوحًا.

المزيد: هل تتحول حماية الملاحة إلى بديل عن صناعة السلام؟

كما أن انتقال الضغوط إلى قطاع الطاقة والملاحة يضع الوسطاء أمام معادلة أكثر تعقيدًا، إذ لم يعد نجاح التهدئة مرتبطًا بوقف إطلاق النار أو خفض العمليات العسكرية فحسب، وإنما أيضًا بمنع تحول البحر الأحمر إلى ساحة دائمة لاستهداف الاقتصاد الإقليمي، بما قد يدفع أطرافًا دولية إضافية إلى الانخراط في إدارة الأزمة.

من السفن إلى النفط

شهدت الأيام الأخيرة تصعيدًا نوعيًا في طبيعة الأهداف. فبعد إعلان جماعة (أنصار الله) الحوثيين فرض حظر على الملاحة السعودية واستهداف ناقلتي النفط ENCELIA وLAYLA، أعلنت الجماعة، يوم السبت 25 تموز/ يوليو الجاري، استهداف مواقع تابعة لشركة أرامكو في جيزان وينبع بعشرات الصواريخ والطائرات المسيّرة، مؤكدة استمرار ما وصفته بالحصار البحري على السعودية.

وفي المقابل، نقلت وكالة «رويترز» أن نظامًا دفاعيًا يديره عسكريون يونانيون في السعودية اعترض صاروخين باليستيين كانا متجهين إلى مصافي ينبع، فيما أفادت «بلومبرغ» بأن ناقلة نفط عملاقة غيّرت مسارها قبل الوصول إلى باب المندب.

ولا تؤكد هذه التطورات وقوع تعطيل واسع للصادرات، لكنها تشير إلى أن التهديدات بدأت تؤثر في قرارات النقل البحري، حتى قبل تحقق أضرار مباشرة.

ويكشف هذا التحول أن الصراع لم يعد يقتصر على استهداف السفن أو حماية الممرات البحرية، بل امتد إلى البنية التي تعتمد عليها السعودية لتصدير النفط عبر البحر الأحمر.

وكلما ارتفعت كلفة التأمين وتزايدت المخاطر أمام شركات الشحن، اتسعت الآثار الاقتصادية للصراع، حتى لو بقيت نتائجه العسكرية محدودة.

السلام في ظل اقتصاد الحرب

بالتوازي مع الهجمات، استهدفت غارات مواقع للحوثيين في مأرب والجوف، قالت مصادر حكومية إنها شملت منصات إطلاق صواريخ ومخازن أسلحة وتعزيزات عسكرية.

ويعكس هذا النمط من العمليات محاولة للحد من قدرات الجماعة على تنفيذ هجمات جديدة، دون توسيع المواجهة إلى استهداف البنية المدنية أو الموانئ التي يعتمد عليها اليمنيون.

إلا أن اتساع دائرة الاستهداف الاقتصادي يفرض تحديًا مختلفًا أمام جهود السلام. فكلما أصبحت الطاقة والتجارة جزءًا من معادلة الردع، تراجعت الأولوية التي كانت تحظى بها ملفات بناء الثقة، مثل فتح الطرق، وصرف الرواتب، واستمرار الرحلات الجوية، وتوسيع العمل الإنساني.

كما أن أي اضطراب في صادرات النفط أو حركة الملاحة يمنح القوى الدولية مصلحة مباشرة في إدارة الأزمة من زاوية أمن الطاقة، وهو ما قد يزاحم المسار السياسي الذي تقوده الأمم المتحدة.

وتكتسب الوساطة العُمانية أهمية إضافية في هذا السياق. فقد أكدت مسقط، في 23 تموز/ يوليو، استمرار عملها مع السعودية والأطراف اليمنية والمبعوث الأممي لاستئناف المسار السياسي، محذرة من أي تصعيد يهدد حرية الملاحة في البحر الأحمر.

ويعكس هذا الموقف إدراكًا بأن الحفاظ على قنوات الحوار أصبح أكثر إلحاحًا مع اتساع نطاق الصراع خارج حدوده اليمنية.

ويرى مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام أن أخطر ما في المرحلة الحالية ليس ارتفاع وتيرة الضربات، وإنما انتقال الاقتصاد إلى قلب المواجهة. فعندما تصبح منشآت الطاقة، وقرارات شركات الشحن، وأسعار النفط جزءًا من حسابات الصراع، تتغير أولويات الفاعلين الإقليميين والدوليين، وقد تتراجع مساحة التسوية اليمنية لصالح اعتبارات أمن الإمدادات والملاحة. لذلك، لن يكون الحفاظ على فرص السلام مرتبطًا فقط باحتواء العمليات العسكرية، بل أيضًا بمنع تحول الاقتصاد إلى ساحة دائمة للصراع، بما يتيح إعادة توجيه الجهود نحو معالجة الأسباب السياسية والاقتصادية التي أبقت النزاع مفتوحًا طوال السنوات الماضية.

المدير التنفيذي لمركز أوسان