مشاركة المادة

مركز أوسان | مريم عمر

دخلت الأزمة اليمنية مرحلة تتراجع فيها مساحة العمل السياسي أمام منطق الردع وحماية الممرات البحرية. فقد أعقب إعلان جماعة (أنصار الله) الحوثيين فرض حظر على الملاحة السعودية، ثم استهداف سفن مرتبطة بالمملكة، رد عسكري سعودي على مواقع في الحديدة، قبل أن تعلن الجماعة إطلاق صاروخ باتجاه جيزان.

ويشير هذا التسلسل إلى انتقال المواجهة من رسائل الضغط إلى تبادل مباشر للضربات، مع بقاء كل طرف حريصًا على ضبط روايته السياسية أمام المجتمع الدولي.

وتكمن خطورة التطور الحالي في أن حماية الملاحة بدأت تتحول إلى المحور الأكثر إلحاحًا في التعامل الدولي مع اليمن، بينما تتراجع ملفات التسوية والرواتب والموانئ والأسرى إلى مرتبة لاحقة.

وهذا التحول قد يحد من المخاطر البحرية مؤقتًا، لكنه لا يعالج الأسباب التي أعادت إنتاج التصعيد، وقد يترك عملية السلام معلقة بين الرد العسكري والوساطة المتعثرة.

المزيد: هل تنجو التهدئة من اختبار البحر الأحمر؟

ردع يزاحم الوساطة

قالت السعودية، يوم الجمعة الماضي 24 تموز/ يوليو الجاري، إنها نفذت عملية عسكرية استهدفت منشآت حوثية مرتبطة بتهديد السفن التجارية في الحديدة، مؤكدة أن ميناء الحديدة وموانئ رأس عيسى والصليف بقيت مفتوحة أمام الملاحة.

ويحمل هذا التأكيد دلالة سياسية واضحة؛ إذ تحاول الرياض الفصل بين الرد العسكري وبين البنية المدنية التي يعتمد عليها اليمنيون في الغذاء والوقود والمساعدات.

غير أن هذا الفصل يظل هشًا في بيئة تتداخل فيها المواقع العسكرية مع المرافق الساحلية. فقد تحدثت وسائل إعلام حوثية عن استهداف منشآت اتصالات ومواقع في جزيرة كمران، بينما ذكرت مصادر أمنية أن قاعدة بحرية ومواقع قريبة من ميناء الحديدة كانت ضمن الأهداف.

وتكشف هذه الروايات المتعارضة مدى صعوبة ضبط العمليات العسكرية في منطقة شديدة الحساسية إنسانيًا واقتصاديًا.

وجاء الرد السعودي بعد إعلان الحوثيين استهداف ناقلتي النفط «ENCELIA» و«LAYLA»، ثم إصابة السفينة السعودية «NCC MASA» بأضرار طفيفة وفق الرواية السعودية.

كما أعلنت الجماعة، يوم السبت 25 تموز/ يوليو، هجومًا صاروخيًا قالت إنه تسبب في حرائق بمدينة جيزان، من دون صدور تأكيد سعودي مستقل بشأن النتائج.

ومع اتساع تبادل الضربات، تصبح المشكلة الأساسية مرتبطة بكيفية منع الردع من التحول إلى آلية دائمة لإدارة الصراع. فالضربات المحدودة قد توقف تهديدًا مباشرًا، لكنها قد تدفع الطرف الآخر إلى رفع سقف الرد حفاظًا على صورته أمام أنصاره، وهو ما يخلق سلسلة متبادلة يصعب على الوسطاء احتواؤها لاحقًا.

السلام تحت الضغط

أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، يوم الخميس الماضي 23 تموز/ يوليو، عن قلقه من استئناف الهجمات على السفن التجارية، محذرًا من آثار اقتصادية وإنسانية وبيئية واسعة. كما دعت عُمان إلى تجنب التصعيد، مؤكدة أنها تعمل مع السعودية والأطراف اليمنية والمبعوث الأممي لاستئناف المسار السياسي.

ويعيد الموقف العُماني التذكير بأن قناة الوساطة لا تزال قائمة، لكنها تعمل في بيئة أكثر تعقيدًا. فكلما اتسعت المواجهة البحرية، ازدادت الضغوط على الوسطاء للتركيز على وقف الهجمات وحماية السفن، على حساب القضايا التي تشكل أساس أي تسوية مستدامة، مثل إدارة الموارد وفتح الطرق وصرف الرواتب ومستقبل المؤسسات.

ويرى مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام أن الخطر الأبرز يتمثل في تحول حماية الملاحة إلى بديل عملي عن صناعة السلام. فالمجتمع الدولي قد ينجح في تأمين السفن عبر الردع العسكري، لكنه لن يمنع عودة التصعيد ما لم يرتبط الأمن البحري بمسار سياسي يعالج دوافع الصراع داخل اليمن.

وتحتاج المرحلة الراهنة إلى صيغة تجمع بين وقف الهجمات، وضمان بقاء الموانئ مفتوحة، وإعادة تفعيل قنوات التفاوض تحت رعاية الأمم المتحدة وعُمان. فالردع قد يحد من الخطر الآني، بينما تظل الوساطة وحدها قادرة على تحويل الهدوء المؤقت إلى ترتيبات تمنع اليمن من الانزلاق مجددًا إلى حرب إقليمية مفتوحة.

رئيسة مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام