مشاركة المادة

مركز أوسان | أحمد حسن

دخلت التهدئة في اليمن مرحلة أكثر هشاشة بعد أن انتقلت السعودية من احتواء التهديدات البحرية سياسيًا إلى تنفيذ رد عسكري مباشر في محافظة الحديدة، عقب استهداف جماعة (أنصار الله) الحوثيين سفنًا تجارية في البحر الأحمر.

ولا تكمن أهمية التطور في حجم العملية وحده، إذ حرصت الرياض على وصفها بأنها محدودة ومتناسبة، وأكدت أنها لم تستهدف الموانئ اليمنية أو حركة الملاحة المدنية، بما يعكس محاولة لفرض الردع من دون فتح باب مواجهة أوسع.

المزيد: هل تضيق نافذة السلام في اليمن؟

وجاءت العملية بعد ساعات من تحذير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن استئناف الهجمات الحوثية يهدد بتوسيع التصعيد الإقليمي وجر اليمن بصورة أعمق إلى الصراع.

ويضع هذا التزامن التهدئة أمام معادلة دقيقة: فغياب الرد قد يشجع على مزيد من الهجمات، بينما قد يؤدي توسيعه إلى تقويض المسار السياسي الذي حافظ، رغم تعثره، على مستوى من الهدوء منذ عام 2022.

ردع بحدود محسوبة

قال المتحدث العسكري السعودي تركي المالكي، يوم السبت 25 تموز/ يوليو الجاري، إن القوات السعودية نفذت عملية استهدفت أهدافًا عسكرية حوثية في محافظة الحديدة مرتبطة بتهديد السفن في البحر الأحمر.

وأكد أن ميناء الحديدة، إلى جانب موانئ رأس عيسى والصليف، لم يتعرض للاستهداف، وأنها تظل مفتوحة أمام الملاحة البحرية.

يحمل هذا التفصيل أهمية تتجاوز الجانب العملياتي. فالسعودية تسعى، بحسب صياغة بيانها، إلى الفصل بين البنية العسكرية التي تقول إنها تهدد السفن، وبين الموانئ التي يعتمد عليها ملايين اليمنيين في استيراد الغذاء والوقود والمساعدات.

ويبدو أن الرسالة موجهة إلى الحوثيين والمجتمع الدولي في آن واحد: الرياض مستعدة للرد، لكنها لا تريد تحمّل تبعات تعطيل الموانئ أو تفاقم الأزمة الإنسانية.

ومع ذلك، لا يضمن ضبط العملية بقاء الردود المقبلة ضمن الحدود نفسها. فإذا استمرت الهجمات البحرية أو خلفت أضرارًا واسعة في السفن والمنشآت السعودية، فقد تتعرض معادلة الرد المتناسب لضغوط متزايدة.

كما قد ترى الجماعة في العملية محاولة لتغيير قواعد الاشتباك، فترد بتوسيع نطاق الاستهداف، وهو ما يرفع خطر انتقال المواجهة من عمليات محدودة إلى دورة متبادلة يصعب وقفها.

حماية التهدئة سياسيًا

أعرب غوتيريش، يوم الجمعة الماضي 24 تموز/ يوليو، عن قلق بالغ إزاء استئناف الهجمات على السفن التجارية، وحذر من آثار اقتصادية وإنسانية وبيئية خطيرة إذا استمرت الأعمال العدائية.

كما دعا الحوثيين إلى وقف الهجمات، وطالب باستعادة حرية الملاحة في باب المندب ومحيطه.

ويكشف موقف الأمم المتحدة عن اتساع مفهوم حماية السلام في اليمن. فالحفاظ على التهدئة لم يعد مرتبطًا فقط بوقف المعارك البرية، إذ أصبح يشمل أمن الملاحة، واستمرار تدفق الواردات، وحماية الموانئ من الاستخدام العسكري أو الاستهداف، ومنع انعكاس الصراع على أسعار الغذاء والوقود.

وأي خلل في هذه العناصر قد يعيد إنتاج الحرب عبر الاقتصاد والمعيشة، حتى لو بقيت الجبهات الداخلية هادئة نسبيًا.

ويرى مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام أن نجاح الردع العسكري لا يقاس بوقف هجوم واحد، وإنما بقدرته على حماية المسار السياسي من الانهيار. فحين تُدار الضربات بمعزل عن قنوات اتصال واضحة، قد تصبح كل عملية بداية لجولة جديدة، بينما يمكن للوساطة أن تحول الرد المحدود إلى فرصة لإعادة تثبيت قواعد خفض التصعيد.

وتحتاج المرحلة الراهنة إلى تفاهم يربط أمن البحر الأحمر باستمرار فتح الموانئ، ويمنع استخدام المنشآت المدنية غطاءً للعمليات العسكرية، مع ضمان عدم تحويل حماية الملاحة إلى مبرر لتوسيع الحرب داخل اليمن.

وستتحدد قدرة التهدئة على النجاة بمدى نجاح الأطراف في إبقاء الردود محكومة، وإعادة السياسة إلى موقعها قبل أن تصبح الضربات المتبادلة هي الأداة الوحيدة لإدارة الأزمة.

المدير التنفيذي لمركز أوسان