مشاركة المادة
تاريخ النشر: 08-10-2026
الساعة 6:54 مساءً بتوقيت عدن

اتسعت المواجهة العسكرية في اليمن خلال الأيام الأخيرة على نحو يضع البلاد أمام مرحلة جديدة من الصراع، بعدما تزامنت المعارك البرية في تعز ولحج ومحيط باب المندب مع هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على المطارات السعودية، وغارات جوية طالت مواقع الحوثيين في محافظات عدة. ويشير هذا التزامن إلى تصاعد الضغوط العسكرية المتبادلة، في وقت تتراجع فيه قدرة التهدئة السابقة على ضبط المواجهة.

وتكمن خطورة المرحلة في تعدد الجبهات والأهداف، وامتداد العمليات إلى مرافق مدنية واقتصادية، مع استمرار البحث عن دعم عسكري إقليمي إضافي. وتبدو الأطراف أكثر استعدادًا لاستخدام القوة لتحسين مواقعها، بينما تفتقر المواجهة حتى الآن إلى مؤشرات واضحة على حسم قريب أو مسار سياسي قادر على استيعاب التحولات الأخيرة.

وتضع هذه المعادلة عملية السلام أمام سؤال أساسي: هل يقود اتساع القتال إلى تغيير موازين القوة بما يسمح باستئناف المفاوضات، أم يرسخ نمطًا من الاستنزاف المتبادل يجعل الوصول إلى تسوية أكثر صعوبة؟

جبهات تتسع وحسابات تتغير

شهد يومَا 7 و8 أكتوبر/ تشرين الأول تصعيدًا واسعًا في تعز ولحج ومحيط باب المندب. فقد أعلنت القوات الموالية للحكومة خوض معارك عنيفة في جبل حبشي والأقروض والكدحة، بينما تحدثت قوات العمالقة الجنوبية عن إحباط هجمات حوثية في ذُباب، وأفادت مصادر عسكرية بصد محاولات تقدم في المضاربة ورأس العارة بلحج.

وفي المقابل، أعلن الحوثيون تنفيذ هجمات صاروخية على مواقع عسكرية جنوب باب المندب ولحج، بالتزامن مع استهداف مطار الملك خالد الدولي بالرياض. وأفادت هيئة الطيران المدني السعودية بمقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 36 آخرين في هجمات طالت مطاري الرياض وأبها خلال اليومين.

كما أعلنت وزارة النقل اليمنية اتخاذ إجراءات احترازية في مطار عدن عقب استهدافه، شملت تغيير مسار رحلة قادمة من القاهرة وإخلاء طائرتين، فيما تسببت التطورات اللاحقة في اضطراب حركة الطيران.

وتكشف هذه الوقائع عن اتساع دائرة الأهداف المعرضة للخطر. فاستهداف المطارات المدنية والمناطق السكنية يرفع الكلفة الإنسانية والاقتصادية للمواجهة، ويزيد احتمالات الرد العسكري، خصوصًا عندما تمتد العمليات إلى أراضي دول مجاورة.

وفي 8 أكتوبر، أعلن المتحدث العسكري السعودي تدمير 82 هدفًا حوثيًا في صعدة والحديدة والجوف ومأرب، بينها مخازن للصواريخ ومراكز قيادة واتصالات. كما استمرت الغارات على مواقع للجماعة في إب والبيضاء وأبين، وفق مصادر محلية وإعلامية.

ويعكس اتساع العمليات الجوية والبرية محاولة متبادلة لإضعاف القدرات العسكرية للخصم. غير أن استمرار الهجمات رغم كثافة الضربات يشير إلى صعوبة تحقيق ردع مستقر خلال المرحلة الحالية.

الخيارات الإقليمية وحدود الحسم

يتزامن التصعيد مع بحث السعودية عن وسائل إضافية لتعزيز قدراتها العسكرية، في ظل استمرار الهجمات على أراضيها واتساع العمليات البرية التي تنفذها القوات اليمنية المدعومة منها.

وفي 7 أكتوبر، نقلت وكالة رويترز عن مسؤول أمريكي ومسؤول عسكري سوري مطلع أن دمشق تدرس خيارات لتقديم مساعدة عسكرية للسعودية، تشمل الدعم الدفاعي أو المشاركة في العمليات ضد الحوثيين.

وجاءت التقارير عقب زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الرياض، فيما تحدثت منصة «أكسيوس» عن مناقشات بشأن إرسال قوات سورية إلى اليمن، مشيرة إلى أن الإدارة الأمريكية لا تعارض هذه الخطوة من حيث المبدأ.

لكن مستشار الرئيس السوري أحمد موفق زيدان نفى صحة التقارير المتعلقة بطلب سعودي لإرسال قوات. كما أكدت دمشق أن أولوياتها الحالية تتركز على إعادة الإعمار والاستقرار الداخلي، وأن أي تعاون عسكري سيجري عبر القنوات الرسمية.

ويكشف هذا التباين حساسية توسيع المشاركة الإقليمية في الحرب. فاستقدام قوات خارجية، إذا حدث، قد يوفر دعمًا ميدانيًا إضافيًا، لكنه سيضيف تعقيدات سياسية وعسكرية إلى نزاع تتداخل فيه أصلًا تشكيلات يمنية متعددة ومصالح إقليمية متنافسة.

وتبرز هنا حدود المقاربة العسكرية؛ إذ إن زيادة القدرات القتالية قد تساعد على استعادة مواقع أو تقليص تهديدات محددة، لكنها لا تضمن إنتاج توازن سياسي مستقر. كما أن تعدد الأطراف المشاركة يرفع احتمالات امتداد المواجهة إلى ساحات أخرى، ويزيد صعوبة التوصل إلى تفاهمات أمنية شاملة.

الكلفة الإنسانية واختبار التهدئة

تتزايد التداعيات الإنسانية مع اتساع العمليات العسكرية. ففي 8 أكتوبر، أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر تلقي أكثر من 1800 طلب من عائلات يمنية تبحث عن مصير أقاربها المفقودين منذ يوليو، معربة عن قلقها من تزايد حالات الفقدان المرتبطة بالتصعيد الأخير.

وفي تعز، دفعت الظروف الأمنية لجنة الطوارئ إلى تعليق الدراسة في المديريات الخاضعة للحوثيين، بينما أدت الهجمات على المطارات إلى اضطراب حركة السفر. كما سقط ضحايا مدنيون في مناطق من الضالع، وفق مصادر محلية.

وتشير هذه التطورات إلى اتساع الفجوة بين الأهداف العسكرية للأطراف واحتياجات السكان. فاستمرار القتال يهدد الخدمات والتنقل وسبل العيش، ويضيف أعباء جديدة إلى اقتصاد أنهكته سنوات الحرب.

وتزداد خطورة هذا المسار مع تصريحات زعيم الحوثيين عبدالملك الحوثي، في 7 أكتوبر، بأن المفاوضات مع السعودية وصلت إلى طريق مسدود. ويعكس هذا الموقف تراجع فرص التفاهم المباشر في مرحلة تتزايد فيها دوافع التصعيد.

الدلالة الاستراتيجية

تكشف التطورات الأخيرة عن انتقال المواجهة اليمنية إلى نمط متعدد الجبهات، تتداخل فيه العمليات البرية والضربات الجوية والهجمات العابرة للحدود. ويزيد هذا التشابك صعوبة احتواء الحرب، خصوصًا مع احتمال دخول أطراف إقليمية إضافية وتراجع فاعلية قنوات التفاوض القائمة.

وتتمثل المعضلة الأساسية في أن الأطراف تسعى إلى تحسين مواقعها العسكرية قبل العودة إلى التفاوض، بينما يؤدي استمرار العمليات إلى رفع كلفة التسوية وتوسيع دائرة المصالح المتأثرة بها.

وتحتاج أي عملية سلام مقبلة إلى معالجة هذا الترابط عبر ترتيبات متزامنة لوقف إطلاق النار وحماية المدنيين والمنشآت الحيوية، مع إعادة فتح المسار السياسي بين الأطراف اليمنية. فالتفاهمات الأمنية المحدودة قد تخفف التصعيد مؤقتًا، لكنها ستظل هشة ما لم ترتبط بمعالجة أسباب استمرار النزاع.

المؤشر الحاسم

ستكشف تطورات الجبهات البرية خلال المرحلة المقبلة مدى قدرة الأطراف على تحويل التصعيد إلى مكاسب عسكرية مستدامة. فإذا استمرت الضربات المتبادلة دون تغير حاسم في خطوط السيطرة، مع اتساع الهجمات على المنشآت المدنية، فقد تترسخ مواجهة استنزاف طويلة يصعب احتواؤها.

أما تراجع الهجمات العابرة للحدود، بالتزامن مع تثبيت خطوط التماس واستئناف اتصالات سياسية جادة، فسيشير إلى بداية استعادة التهدئة لدورها في ضبط المواجهة. وسيكون الاختبار الأهم قدرة الأطراف على تحويل هذا الهدوء إلى اتفاق سياسي يعالج الملفات العسكرية والاقتصادية والإنسانية التي أبقت اليمن في دائرة الصراع.

مريم عمر
رئيسة مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام
الحسابات ووسائل التواصل الرسمية
مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام
Osan Center for Media and Peace Analysis