
تواجه فرص السلام في اليمن اختبارًا يتجاوز اتساع المواجهات العسكرية، مع تكرار الهجمات على المطارات والمنشآت الاقتصادية والمراكز الأمنية، وتزايد الضغوط على مؤسسات الدولة والخدمات الأساسية. فالتصعيد الذي شهدته البلاد خلال الأيام الماضية يكشف عن نمط من المواجهة تتجاوز آثاره خطوط القتال، وتطال المقومات التي يحتاجها اليمن لاستعادة الاستقرار بعد سنوات الحرب.
وتبرز خطورة هذا المسار في تزامن الهجمات على مطاري عدن والريان، ومركز لتدريب منتسبي الأمن في شبوة، مع استمرار استهداف المطارات والمنشآت النفطية السعودية. وتأتي هذه التطورات في وقت تتوسع فيه العمليات البرية والغارات الجوية، بينما تتراجع قدرة المساعي السياسية على احتواء المواجهة.
ويطرح ذلك سؤالًا يرتبط بمستقبل التسوية: كيف يمكن بناء سلام قابل للاستمرار إذا أدت العمليات العسكرية إلى إضعاف المؤسسات والخدمات والموارد التي يفترض أن تستند إليها مرحلة التعافي؟
المؤسسات في دائرة الاستهداف
شكّل الهجوم على مركز الشهيد أحمد محسن السليماني التدريبي في محافظة شبوة، يوم 19 أكتوبر/ تشرين الأول، أحد أبرز التطورات الأخيرة. فقد أعلنت السلطة المحلية، في اليوم التالي، ارتفاع حصيلة القتلى إلى 73، مع استمرار البحث عن 14 مفقودًا، بعد استهداف المركز بثلاثة صواريخ باليستية.
وكان المركز يستضيف دورة لتأهيل نحو 700 مجند مستجد في قوات الأمن الداخلي، وفق ما أورده مركز سوث24. وأعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن الهجوم، وقدموا رواية تصف المستهدفين بأنهم تحشيدات عسكرية مرتبطة بالسعودية، بينما أكدت السلطات المحلية أن الموقع كان يضم منتسبين جددًا للأجهزة الأمنية، بحسب بيانات متعدة من بينها ما أعلنه الاتحاد الأوروبي في اليمن.
وتكتسب هذه الواقعة أهمية تتصل بطبيعة المؤسسة المستهدفة. فإعادة بناء الأجهزة الأمنية المحلية تمثل أحد متطلبات الانتقال من الحرب إلى الاستقرار، خصوصًا في المحافظات التي تواجه تحديات أمنية واقتصادية متراكمة. ويؤدي استهداف مراكز التدريب إلى خسارة كوادر بشرية وإرباك جهود التأهيل، فضلًا عن الآثار الاجتماعية التي تتحملها أسر الضحايا.
وفي 21 أكتوبر، اتسع نطاق الهجمات ليشمل مطاري عدن والريان في المكلا. وأعلنت وزارة النقل اليمنية أن مطار عدن تعرض لهجوم جديد، هو الرابع خلال الفترة الأخيرة، فيما استهدفت ثلاث طائرات مسيّرة محيط مدرجي مطار الريان، دون تسجيل خسائر بشرية وفق الحصيلة الأولية.
وأفادت الوزارة بأن الهجوم على عدن تزامن مع حركة رحلات مدنية وإنسانية، بينها طائرة مرتبطة بالصليب الأحمر وأطباء بلا حدود. كما تحدثت مصادر محلية عن هجوم صاروخي آخر على مطار الريان مساء اليوم نفسه.
وتضع هذه الهجمات حركة الطيران المدني أمام مخاطر متزايدة، في بلد يعتمد فيه المرضى والمسافرون والعاملون الإنسانيون على عدد محدود من المطارات. كما أن اضطراب الرحلات يضيف تكاليف اقتصادية واجتماعية جديدة إلى الأعباء القائمة.
اتساع الكلفة الاقتصادية والإقليمية
امتدت المواجهة خلال 21 و22 أكتوبر إلى منشآت الطاقة والمطارات السعودية. فقد أعلنت وزارة الطاقة السعودية اعتراض طائرة مسيّرة حاولت استهداف منشأة في حقل الشيبة، مع مقتل مقيمين اثنين، فيما أفادت هيئة الطيران المدني بارتفاع حصيلة ضحايا هجوم مطار الملك فهد بالدمام إلى قتيلين.
وفي الوقت نفسه، أعلن الحوثيون تنفيذ هجمات على أهداف في الرياض والدمام وأبها وينبع، بينما نقلت رويترز أن شركة أرامكو طلبت من موظفي مقرها الرئيسي في الظهران إخلاء المبنى والعمل عن بُعد.
وتشير هذه الإجراءات إلى اتساع التأثير الاقتصادي للتصعيد. فالمخاطر الأمنية تدفع المؤسسات إلى اتخاذ تدابير احترازية، وتؤثر في النقل والاستثمار واستمرارية الأعمال، حتى عندما لا تؤدي الهجمات إلى تعطيل طويل للمنشآت.
وتتضاعف هذه الكلفة في اليمن، حيث تواجه المؤسسات العامة والخاصة أصلًا تحديات التمويل وضعف البنية التحتية والانقسام الاقتصادي. وقد يؤدي استمرار التصعيد إلى تأخير جهود إعادة الإعمار وزيادة الإنفاق على الحماية الأمنية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى توجيه مواردها نحو الخدمات والتعافي.
الضغوط الدولية وحدود الاستجابة
تزامن التصعيد مع تزايد الضغوط الدولية على الحوثيين. ففي 22 أكتوبر، دعا البرلمان الأوروبي إلى إدراج الجماعة بجناحيها السياسي والعسكري على قائمة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية، وتجميد أصولها وتعطيل قنوات تمويلها، مع إدانة الهجمات على السعودية والملاحة الدولية.
وفي الوقت نفسه، شدد البرلمان على ضرورة زيادة المساعدات الإنسانية لليمن، مع تعزيز الرقابة على توزيعها. ويعكس الجمع بين هذين الموقفين التحدي الذي تواجهه السياسة الدولية: الضغط على الأطراف المسؤولة عن التصعيد، مع تجنب إجراءات تزيد تدهور الأوضاع المعيشية للسكان.
وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قد حذر، في اليوم نفسه، من أن تصاعد الأعمال العدائية والهجمات على الأهداف المدنية في السعودية يفاقمان معاناة المدنيين والتوترات الإقليمية، داعيًا إلى ضبط النفس وتوفير أفق سياسي لليمن.
وتكشف هذه المواقف عن اتساع الاهتمام الدولي باحتواء التهديدات الأمنية، فيما تظل القدرة على تحويل الضغوط إلى مسار تفاوضي موثوق مرتبطة بمواقف الأطراف واستعدادها لوقف التصعيد.
الدلالة الاستراتيجية
تكشف التطورات الأخيرة أن استمرار الحرب يهدد بإضعاف المقومات المؤسسية والاقتصادية اللازمة لأي تسوية سياسية مستقبلية. فالمطارات والمراكز الأمنية ومنشآت الطاقة تمثل عناصر أساسية لاستعادة الخدمات وحركة السكان والنشاط الاقتصادي، ويؤدي تعرضها المتكرر للهجمات إلى زيادة كلفة التعافي وإطالة الفترة اللازمة لإعادة بناء الاستقرار.
ويرى مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام أن هذا المسار يطرح تحديًا إضافيًا أمام جهود السلام. فحتى إذا نجحت الأطراف في التوصل إلى وقف لإطلاق النار، ستظل معالجة الأضرار التي لحقت بالمؤسسات والبنية التحتية، واستعادة الثقة بقدرتها على العمل، من الشروط الضرورية لنجاح التسوية.
كما أن استمرار الانقسامات السياسية والعسكرية داخل المعسكر المناهض للحوثيين قد يعقّد جهود بناء مؤسسات أمنية موحدة وقادرة على حماية السكان. وتزداد أهمية معالجة هذه الاختلالات مع اتساع التهديدات التي تواجه المحافظات الجنوبية والشرقية.
وتشير هذه المعطيات إلى ضرورة ارتباط أي مسار سياسي مقبل بترتيبات أمنية واقتصادية تحمي المنشآت الحيوية، وتضمن استمرار الخدمات، وتوفر بيئة تسمح بالتعافي التدريجي.
المؤشر الحاسم
ستكشف التطورات المقبلة مدى قدرة الأطراف على حماية المؤسسات والمرافق الحيوية من الهجمات المتكررة. فاستمرار استهداف المطارات والمراكز الأمنية والمنشآت الاقتصادية، بالتزامن مع اتساع العمليات العسكرية، سيشير إلى تراكم أعباء جديدة قد تجعل تنفيذ أي اتفاق سلام أكثر صعوبة.
أما تراجع الهجمات على هذه المرافق، وظهور تفاهمات أمنية قابلة للتحقق تضمن استمرار عملها، فسيوفر مؤشرًا على إمكانية الانتقال تدريجيًا من إدارة المواجهة إلى بناء الاستقرار.
وسيظل الاختبار الأهم مرتبطًا بقدرة الأطراف على تحويل خفض التصعيد إلى إجراءات ملموسة تحمي حياة المدنيين وتعيد تشغيل المؤسسات والخدمات، بما يمنح أي تسوية سياسية مستقبلية أساسًا اقتصاديًا واجتماعيًا أكثر استدامة.
