
تشهد التحالفات الإقليمية المرتبطة بالحرب اليمنية تحولات متسارعة، مع ظهور مؤشرات على تقارب سعودي إماراتي، واستعداد مصري لتوسيع التعاون الدفاعي مع الرياض، في وقت تتطور فيه العلاقة بين إيران وجماعة (أنصار الله) الحوثيين نحو مستويات أكبر من بناء القدرات والاستقلال العملياتي.
وتأتي هذه التحركات وسط استمرار المواجهات العسكرية وتعثر المسار السياسي، ما يطرح تساؤلات بشأن قدرة الترتيبات الإقليمية الجديدة على تغيير موازين الصراع وتهيئة ظروف أكثر ملاءمة للتسوية.
وتكشف هذه التطورات عن معضلة تتجاوز حجم الدعم العسكري الذي يمكن أن تقدمه الدول المنخرطة في الملف اليمني. فإعادة بناء التحالفات قد تساعد على معالجة اختلالات الردع والتنسيق، لكنها تواجه خلافات سياسية تتعلق بمستقبل الجنوب، وأولويات القوى المحلية، وحدود التدخل الإقليمي.
وفي المقابل، يمتلك الحوثيون قدرات عسكرية ومؤسسية تتيح لهم مواصلة الضغط حتى دون توجيه إيراني مباشر لكل عملية.
ومن هنا، يرتبط مستقبل السلام بمدى قدرة الأطراف على تحويل التقارب الإقليمي إلى تفاهمات سياسية وأمنية تعالج أسباب استمرار النزاع، وتمنع تحوّل التحالفات الجديدة إلى عامل إضافي لإطالة الحرب.
تقارب سعودي إماراتي أمام اختبار اليمن
أعاد التصعيد العسكري الأخير طرح أهمية التنسيق بين السعودية والإمارات، بعدما كشفت المواجهات في الساحل الغربي عن صعوبات تواجه القوات المناهضة للحوثيين في القيادة والسيطرة والتنسيق الميداني.
وفي 29 أكتوبر/ تشرين الأول، نقلت مجلة «فورين بوليسي» عن الباحثة أبريل لونغلي آلي أن استعادة التعاون بين الرياض وأبوظبي قد تمثل تحولًا مهمًا في مسار المواجهة، بالنظر إلى الخبرة العسكرية الإماراتية وعلاقاتها بالقوى المحلية في جنوب اليمن والساحل الغربي.
وأشار التقرير إلى مؤشرات على تحسن العلاقات بين البلدين، بينها لقاء وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان بالرئيس الإماراتي محمد بن زايد في أبوظبي، في 18 أكتوبر، وتقارير عن احتمال استئناف تمويل إماراتي لبعض القوات الجنوبية.
لكن إعادة بناء التعاون تواجه خلافات تتعلق بمستقبل الجنوب وتمثيل القوى الجنوبية في أي تسوية سياسية. فالمجلس الانتقالي الجنوبي يتمسك بأولوية الدفاع عن مناطقه، ويربط مشاركته في عمليات خارج حدود الجنوب السابقة بتقدم المسار السياسي الخاص بالقضية الجنوبية.
وتشير هذه المواقف إلى أن تحسين التنسيق العسكري يحتاج إلى تفاهم سياسي يحدد أهداف الشراكة وحدودها. كما أن أي عودة إماراتية أوسع ستظل مرتبطة بطبيعة الترتيبات التي يمكن أن تتوصل إليها الرياض وأبوظبي بشأن مستقبل السلطة والتمثيل السياسي في اليمن.
مصر توسع خيارات الدعم الإقليمي
بالتوازي مع مؤشرات التقارب السعودي الإماراتي، انتقلت القاهرة إلى مرحلة أكثر تقدمًا في استعدادها لمساندة السعودية، بعد موافقة البرلمان المصري على تفويض القيادة السياسية بشأن التحرك لدعم المملكة في مواجهة التصعيد الحوثي.
وجاءت هذه الخطوة بعد تصريحات للرئيس عبدالفتاح السيسي ووزير الخارجية بدر عبدالعاطي أكدا فيها استعداد مصر لتقديم المساعدة إذا طلبت الرياض ذلك، بما قد يشمل أشكالًا من الدعم العسكري.
وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباط الأمن السعودي بالمصالح المصرية في البحر الأحمر وقناة السويس. فاستمرار التهديدات قرب باب المندب يرفع المخاطر على الملاحة، ويؤثر في حركة التجارة وإيرادات القناة، التي تضررت خلال السنوات الماضية بفعل اضطرابات الشحن.
ومع ذلك، لا تعني الموافقة البرلمانية اتخاذ قرار بالمشاركة القتالية. فما تزال طبيعة الدعم المصري المحتمل وحجمه مرتبطين بطلب سعودي رسمي، وبالاعتبارات السياسية والعسكرية التي تحكم خيارات القاهرة.
وقد تشمل المساهمة المصرية تعزيز التعاون الدفاعي وتبادل المعلومات والتنسيق البحري، مع استمرار الاتصالات الدبلوماسية مع الأطراف الإقليمية. ويمنح هذا المسار القاهرة إمكانية دعم أمن السعودية والملاحة دون الانخراط بالضرورة في العمليات البرية داخل اليمن.
إيران والحوثيون: تحالف يتجاوز التوجيه المباشر
في الجانب الآخر، تبرز طبيعة العلاقة بين إيران والحوثيين باعتبارها عاملًا مؤثرًا في حسابات التحالفات الجديدة.
فقد أشار تحليل نشرته صحيفة «ديلي صباح» إلى أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على تطوير قدرات الجماعة العسكرية والمؤسسية، بما يمكنها من تنفيذ عمليات تتوافق مع مصالح طهران دون الحاجة إلى تعليمات مباشرة بشأن كل هجوم.
وتشمل هذه المقاربة، وفق التحليل، نقل الخبرات العسكرية والتقنية، وتطوير قدرات تشغيل وصيانة وإنتاج بعض منظومات التسليح محليًا، إلى جانب تعزيز شبكات الإمداد والاستخبارات.
ويعني ذلك أن العلاقة بين الطرفين قد أصبحت أكثر تعقيدًا من نموذج الدعم الخارجي التقليدي. فالحوثيون يمتلكون هياكل قيادية وموارد وشبكات تشغيل خاصة بهم، مع استمرار استفادتهم من الخبرات والدعم الإيراني.
وتنعكس هذه الاستقلالية النسبية على فرص التسوية. فالتفاهمات الإقليمية مع إيران قد تساعد على خفض التصعيد، لكنها لا تضمن وحدها تغيير حسابات الحوثيين، خصوصًا عندما ترتبط مطالب الجماعة بموازين السلطة والموارد داخل اليمن.
كما أن تطور قدرات الجماعة يمنحها هامشًا أوسع للاستمرار في المواجهة، ما يجعل أي استراتيجية إقليمية تعتمد على الضغط العسكري وحده معرضة لنتائج محدودة.
الدلالة الاستراتيجية
تكشف التحركات الأخيرة عن محاولة لإعادة بناء التوازن الإقليمي المحيط باليمن، في مواجهة جماعة حوثية تطورت قدراتها العسكرية وأصبحت أكثر استقلالًا في إدارة عملياتها.
غير أن التحالفات المحتملة تواجه تحديًا يتعلق بتباين المصالح السياسية. فالسعودية تركز على أمن حدودها ومنشآتها واستقرارها الاقتصادي، بينما ترتبط حسابات الإمارات بمستقبل الجنوب والقوى المحلية الحليفة لها، وتولي مصر أهمية خاصة لأمن البحر الأحمر وقناة السويس.
ويرى مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام أن قدرة هذه الأطراف على تنسيق مواقفها السياسية قد تكون أكثر تأثيرًا في مستقبل التسوية من حجم الدعم العسكري الإضافي. فالتفاهم بشأن ترتيبات الأمن والسلطة والتمثيل السياسي، بما يشمل القضية الجنوبية، يمكن أن يوفر أساسًا لمعالجة الاختلالات التي أضعفت الجبهة المناهضة للحوثيين.
وفي المقابل، قد يؤدي توسيع التحالفات العسكرية دون توافق سياسي إلى زيادة تعقيد النزاع، وإضافة مصالح جديدة ينبغي مراعاتها خلال المفاوضات. كما أن استقلالية القرار الحوثي النسبية تفرض التعامل مع الجماعة بوصفها طرفًا يمتلك حساباته المحلية، إلى جانب ارتباطاته الإقليمية.
المؤشر الحاسم
ستكشف طبيعة التفاهمات السعودية الإماراتية خلال المرحلة المقبلة اتجاه إعادة تشكيل التحالفات المرتبطة باليمن. فإذا تطور التقارب إلى ترتيبات واضحة بشأن دور القوات الجنوبية ومستقبل القضية الجنوبية، بالتوازي مع تنسيق دفاعي إقليمي يحد من الهجمات، فقد تتوافر ظروف أكثر ملاءمة لاستئناف المسار السياسي.
أما استمرار الخلافات حول التمثيل السياسي، مع اقتصار التعاون الإقليمي على تعزيز القدرات العسكرية، فسيبقي فرص التسوية محدودة، خصوصًا إذا واصل الحوثيون استخدام قدراتهم المتطورة لتحسين مواقعهم التفاوضية.
وسيكون الاختبار الأهم قدرة الأطراف الإقليمية واليمنية على تحويل التفاهمات الجديدة إلى رؤية سياسية مشتركة، تتيح معالجة جذور النزاع وتوفير ضمانات لاستقرار طويل الأمد.
