
تكشف مؤشرات التعليم والخدمات الأساسية في اليمن عن كلفة تتجاوز آثار الحرب المباشرة. فبعد أكثر من عقد من النزاع، يواجه ملايين اليمنيين تراجعًا في التعليم والصحة والدخل، فيما تتقلص قدرة المنظمات الإنسانية على سد الفجوات. هذه الضغوط لا تهدد الحاضر فقط، وإنما تراكم أعباء ستظهر آثارها على أي عملية سلام مستقبلية.
وتبرز خطورة الوضع في بيانات حديثة لصندوق الأمم المتحدة للسكان ومنظمة إنقاذ الطفولة. فالأولى تحذر من اتساع فجوة التمويل المخصص للنساء والفتيات، والثانية تشير إلى أن قرابة ثلثي الأطفال الذين شملهم مسح في أربع مديريات جنوبية خارج المدرسة. وبين نقص الخدمات واتساع التسرب من التعليم، تتشكل أزمة طويلة المدى تمس قدرة المجتمع على التعافي وإعادة البناء.
التعليم في قلب الأزمة
قالت منظمة إنقاذ الطفولة، في 27 آب/ أغسطس، إن مسحًا شمل 2,214 أسرة في أربع مديريات بمحافظات عدن ولحج وتعز أظهر أن قرابة ثلثي الأطفال الذين شملهم المسح خارج المدرسة.
وأفادت المنظمة بأن 32% من الأطفال لم يلتحقوا بالتعليم أصلًا، بينما ترك نحو ربعهم المدرسة ويحتاجون إلى دعم عاجل للعودة. كما أرجعت قرابة خُمس حالات التسرب إلى عمالة الأطفال.
وتكشف مؤشرات الأسر أسباب هذا التراجع. فقد قالت 92% من الأسر المشمولة بالمسح إنها لا تعرف من أين ستأتي وجبتها التالية، وتعتمد 95% منها على العمل اليومي، في حين لا تستطيع 84% تحمل تكاليف الكتب والزي المدرسي.
وتشير بيانات خطة الاستجابة الإنسانية إلى أن أكثر من 2,375 مدرسة تعرضت للضرر أو الدمار أو تستخدم لأغراض عسكرية أو لإيواء النازحين. كما يقدَّر عدد الأطفال خارج المدرسة على مستوى البلاد بنحو 6.6 مليون طفل.
هذا الواقع يربط التعليم مباشرة بالاقتصاد. فكلما تراجعت قدرة الأسرة على تأمين الغذاء والدخل، أصبح إرسال الأطفال إلى العمل خيارًا اضطراريًا، وتراجعت فرص عودتهم إلى الصفوف.
التمويل الإنساني تحت الضغط
يظهر المسار نفسه في القطاع الصحي وخدمات الحماية. فقد أعلن صندوق الأمم المتحدة للسكان حصوله على 3 ملايين يورو من الاتحاد الأوروبي لدعم نحو 250 ألف امرأة وفتاة في المحافظات الجنوبية والشرقية.
وسيُستخدم التمويل لاستمرار خدمات الطوارئ التوليدية في عشرة مرافق صحية، وتشغيل ثماني مساحات آمنة للنساء والفتيات، إضافة إلى خدمات الصحة النفسية والحماية والمساعدة القانونية.
لكن الصندوق حصل حتى الآن على 18% فقط من احتياجاته التمويلية لعام 2026، البالغة 71.9 مليون دولار. وحذر من أن استمرار النقص قد يؤدي إلى إغلاق مرافق صحية ومساحات آمنة وتعليق آلية الاستجابة السريعة.
وتتضاعف خطورة هذه الفجوة في ظل أزمة تمويل أوسع. فقد أشارت إنقاذ الطفولة إلى أن خطة الاستجابة الإنسانية لليمن حصلت العام الماضي على نحو 25% فقط من التمويل المطلوب، ما دفع برامج عديدة إلى التقليص أو الإغلاق.
مستقبل بلا فرص واعدة
توضح هذه المؤشرات أن توقف المعارك لا يكفي وحده لخلق بيئة مستقرة. فالمجتمع الذي يفقد المدارس والخدمات وفرص الدخل يظل معرضًا للاضطراب، حتى لو انخفض مستوى العنف.
والجيل الذي يبقى خارج التعليم لسنوات سيواجه مستقبلًا فرصًا أقل في العمل، وقدرة أضعف على الاندماج في الاقتصاد، واعتمادًا أكبر على المساعدات. ومع اتساع عمالة الأطفال، تتحول آثار الحرب إلى دورة اجتماعية واقتصادية يصعب كسرها.
لذلك، فإن أي مسار سلام في اليمن سيحتاج إلى ربط التهدئة بالتعافي. التعليم، والصحة، والدخل، واستعادة الخدمات العامة ليست ملفات لاحقة للتسوية، وإنما جزء من شروط استدامتها.
الدلالة الاستراتيجية
تكمن الكلفة المؤجلة للسلام في أن آثار الحرب تتراكم داخل المجتمع حتى بعد هدوء الجبهات. وإذا استمر خروج الأطفال من المدارس وتراجع التمويل الإنساني، فستواجه أي تسوية سياسية مستقبلية مجتمعًا أكثر فقرًا وأقل قدرة على التعافي، ما يرفع كلفة إعادة البناء ويزيد هشاشة الاستقرار.
ومن هنا، تصبح حماية التعليم والخدمات الأساسية جزءًا من بنية السلام نفسه. فكل طفل يعود إلى المدرسة، وكل مرفق صحي يستمر في العمل، يقللان من المسافة بين وقف الحرب وبناء الاستقرار.
المؤشر الحاسم
سيتضح اتجاه هذه الأزمة من خلال معدلات العودة إلى المدارس واستمرار تشغيل المرافق الصحية خلال الأشهر المقبلة. فإذا اتسع التسرب وأغلقت خدمات إضافية، فسيكون ذلك مؤشرًا على أن الكلفة الاجتماعية للحرب ما تزال تتراكم رغم تراجع بعض أشكال المواجهة.
أما تحسن التمويل بالتوازي مع استعادة الخدمات والدخل وفرص التعليم، فسيعني أن التهدئة بدأت تنتج أثرًا ملموسًا في حياة اليمنيين، وهو أساس ضروري لأي سلام قابل للاستمرار.
