
يكشف التصعيد الأخير في البحر الأحمر عن تحول يتجاوز تكرار الهجمات على السفن. فالمؤشرات الجديدة تشير إلى أن جماعة (أنصار الله) الحوثيين تسعى إلى الانتقال من استخدام القوة لتعطيل الملاحة إلى التأثير في قواعد المرور نفسها، عبر فرض قيود، ومنح استثناءات، والتلويح بترتيبات خاصة للسفن والدول.
ويضع هذا المسار البحر الأحمر أمام خطر تحوله إلى منطقة نفوذ غير رسمية، تتداخل فيها القوة العسكرية مع المصالح التجارية وحسابات الردع الإقليمي.
ومع اتساع نطاق الهجمات من باب المندب إلى منشآت الطاقة والموانئ، أصبح أمن الملاحة مرتبطًا بالصراع بين إيران والولايات المتحدة، وبحسابات السعودية ودول البحر الأحمر، وبمستقبل الحرب والسلام في اليمن.
السيطرة على المخاطر بدل السيطرة على البحر
أعلنت جماعة الحوثيين، في 20 تموز/ يوليو، فرض حظر بحري على السعودية، ثم تبنت هجمات على ناقلات نفط وسفن تجارية ومنشآت مرتبطة بالطاقة.
وفي أحدث التطورات، قالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، يوم الأربعاء 5 آب/ أغسطس الجاري، إن سفينة غرقت جنوب غربي المخا بعد تعرضها لهجوم بزورق مسير، ونصحت السفن بالعبور بحذر.
وتكشف هذه العمليات عن نموذج للضغط لا يحتاج إلى إغلاق باب المندب فعليًا. فارتفاع مستوى المخاطر وحده يكفي لدفع شركات الشحن والتأمين إلى تعديل مساراتها ورفع أسعار خدماتها، وهو ما يمنح الهجمات أثرًا اقتصاديًا يتجاوز نتائجها العسكرية المباشرة.
وأشار تحليل نشرته صحيفة «ذا كونفرزيشن» إلى أن استئناف الهجمات الحوثية، بالتزامن مع التهديدات المرتبطة بمضيق هرمز واستهداف منشأة للغاز الطبيعي المسال في ميناء دمياط المصري، وسّع نطاق المخاطر ليشمل باب المندب وقناة السويس وخطوط الأنابيب بين البحر الأحمر والبحر المتوسط.
وبذلك تتعرض البدائل التي اعتمدت عليها السعودية لتجاوز اضطرابات مضيق هرمز لضغوط متزامنة. فالموانئ الغربية وخط أنابيب الشرق–الغرب وفّرت للمملكة مسارًا مهمًا لصادرات الطاقة، إلا أن استهداف جازان وينبع والسفن المرتبطة بالموانئ السعودية يهدد فاعلية هذا المسار.
من تعطيل الملاحة إلى فرض النفوذ
تزداد خطورة التحول مع ظهور تقارير عن دراسة الحوثيين فرض رسوم على السفن التجارية أو منح تصاريح عبور منفردة، رغم نفي الجماعة بعض هذه الأنباء.
فمجرد تداول هذه الفكرة يعكس انتقالًا في طبيعة الطموح؛ إذ لم تعد العمليات تركز على إرباك حركة السفن وحدها، وإنما تفتح الباب أمام محاولة فرض سلطة أمر واقع على ممر دولي.
وقد ظهرت ملامح هذا المسار في الاتصالات التي أجرتها الصين للحصول على ضمانات لعبور ناقلاتها، وفي استمرار مرور سفن مرتبطة بدول تحتفظ بعلاقات أقل توترًا مع الحوثيين وإيران. وإذا اتسعت هذه الترتيبات، فقد تصبح هوية السفينة وعلاقات دولتها عاملًا في تحديد مستوى المخاطر التي تواجهها.
على هذه الخلفية، نفى مصدر سعودي لقناة «العربية»، يوم الثلاثاء الماضي، وجود محادثات مع الحوثيين في مسقط أو عبر وسطاء، وهو ما يقلص الرهانات على وجود قناة تفاوض نشطة قادرة على احتواء التصعيد سريعًا.
وفي اليوم نفسه، دعا مجلس القيادة الرئاسي اليمني المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات رادعة بعد استهداف سفينة شحن هندية، فيما أعلنت السفارة الأمريكية لدى اليمن أن القائم بالأعمال الجديد نيل هوب سيتولى تنفيذ أولويات تشمل حماية الملاحة في البحر الأحمر ومنع المنطقة من التحول إلى حاضنة للإرهاب.
وتشير هذه المواقف إلى انتقال الملف البحري إلى صدارة الأولويات الأمريكية واليمنية والسعودية، بما قد يقود إلى توسع الوجود العسكري الدولي وإعادة تشكيل التحالفات البحرية.
الدلالة الاستراتيجية
يكشف هذا التحول أن التهديد الحوثي يتجه نحو إنتاج نفوذ سياسي واقتصادي من خلال التحكم في مستوى الأمان البحري. وإذا نجحت الجماعة في ترسيخ ترتيبات عبور خاصة أو فرض تصنيف غير رسمي للسفن، فسيتحول باب المندب تدريجيًا من ممر تحكمه قواعد دولية موحدة إلى فضاء تفاوضي تحدد القوة فيه شروط المرور.
وسيؤثر ذلك مباشرة في مسار السلام في اليمن، لأن امتلاك ورقة بحرية بهذا الحجم يمنح الحوثيين حافزًا للاحتفاظ بها خلال أي مفاوضات مستقبلية. كما قد تدفع الترتيبات الأمنية الدولية بالأولوية نحو حماية الملاحة وردع الهجمات، على حساب معالجة جذور النزاع اليمني وملفاته السياسية والاقتصادية.
المؤشر الحاسم
يرتبط اتجاه الأزمة بقدرة المجتمع الدولي على منع ترتيبات العبور الفردية من التحول إلى ممارسة مستقرة. اتساع الضمانات الخاصة، أو ظهور رسوم واشتراطات مرتبطة بهوية السفن، سيشير إلى ترسخ سلطة بحرية غير رسمية حول باب المندب.
أما نجاح الدول المشاطئة والقوى الدولية في بناء إطار جماعي موحد لحماية الملاحة، بالتوازي مع إعادة فتح مسار سياسي جاد في اليمن، فقد يقلص قيمة هذه الورقة ويمنع البحر الأحمر من التحول إلى جبهة دائمة للصراع الإقليمي.
