
يفرض التقدم العسكري الذي حققته جماعة (أنصار الله) الحوثيين في الساحل الغربي واقعًا جديدًا على مسار الحرب والسلام في اليمن. فسيطرة الجماعة على المخا ومناطق واسعة جنوب الحديدة، واقترابها من ذُو باب ومداخل باب المندب، تمنحها أوراقًا إضافية تتجاوز المكاسب الميدانية إلى أمن الملاحة والتجارة الدولية والتوازنات الإقليمية.
ويأتي هذا التحول في وقت ظلت فيه خطوط التماس شبه مستقرة منذ هدنة 2022، وهو ما سمح لجهود الوساطة بالتحرك على أساس افتراض ضمني بأن موازين السيطرة لن تتغير جذريًا. التطورات الأخيرة تهز هذا الافتراض، وتضع أي تسوية مقبلة أمام خريطة عسكرية وسياسية مختلفة.
ومن هنا، يصبح السؤال الأساسي مرتبطًا بكيفية تأثير هذه المكاسب على شروط التفاوض: هل ستدفع الحوثيين إلى رفع سقف مطالبهم، أم ستدفع خصومهم والقوى الإقليمية إلى إعادة بناء توازن يمنع فرض تسوية تستند إلى الأمر الواقع؟
تغير ميزان الأرض قبل التفاوض
خلال أيام، انتقلت المواجهات من جبهات متفرقة في غرب تعز وجنوب الحديدة إلى تحول ميداني واسع شمل حيس والخوخة والوازعية ومعسكر خالد والمخا. ومع إعادة تموضع القوات الحكومية والقوات المشتركة جنوب المدينة، أصبح نطاق ذُو باب وباب المندب خط الدفاع الأكثر حساسية.
وفي 11 سبتمبر، نقلت وكالة رويترز عن مصادر يمنية وإيرانية وإقليمية أن تقدم الحوثيين على ساحل البحر الأحمر جاء بدعم وتوجيه من الحرس الثوري الإيراني، وأن طهران شجعت الجماعة على زيادة الضغط على السعودية مع تقديم مزيد من التمويل والأسلحة.
وتمنح السيطرة على المخا الحوثيين موقعًا أقرب إلى مسارات الملاحة الدولية، وتوسع قدرتهم على استخدام الساحل في المراقبة والضغط العسكري والاقتصادي. كما ترفع قيمة البحر الأحمر ضمن أي مفاوضات مستقبلية، بحيث يصبح أمن الملاحة أحد الملفات المتداخلة بصورة مباشرة مع التسوية اليمنية.
في المقابل، كشفت المعارك الأخيرة ضعف التنسيق بين القوى المناهضة للجماعة. وجاءت الاختراقات بعد أشهر من الخلافات وإعادة الانتشار وتباين الأولويات بين القوات الحكومية والقوات المدعومة من السعودية والمجلس الانتقالي الجنوبي.
وفي تصريحات لشبكة NBC News، ربط عمرو البيض جانبًا من التراجع بتفكك الجبهة التي كانت تقاتل الحوثيين، محذرًا من انتقال الضغط العسكري نحو الجنوب.
كلفة تمتد من الجبهات إلى المجتمع
امتدت تداعيات التقدم العسكري إلى جبهات رأس العارة ويافع وحريب، بالتزامن مع هجمات على مواقع القوات الجنوبية وضغط متزايد على خطوط التماس القريبة من باب المندب.
كما أعلن الحوثيون لاحقًا تنفيذ هجوم واسع على قاعدة الملك خالد الجوية في خميس مشيط، في مؤشر على محاولة ربط التطورات داخل اليمن بالضغط المباشر على السعودية.
وبالتوازي، كثفت القوات الحكومية وحلفاؤها الغارات على مواقع الحوثيين في المخا وذُو باب، فيما تشير المعطيات إلى أن الدعم السعودي ظل حتى الآن ضمن حدود لوجستية واستخباراتية وغارات محدودة، من دون الانتقال إلى حملة عسكرية واسعة.
أما الكلفة الإنسانية، فبدأت تظهر سريعًا. إذ قالت الأمم المتحدة إن نحو 18 ألف أسرة نزحت من المخا عقب سيطرة الحوثيين، كما تعرض الميناء لأضرار كبيرة وتوقفت عملياته، في وقت صودرت فيه مركبات تابعة لمنظمات إنسانية.
ويزيد هذا النزوح من الضغوط على تعز وعدن ولحج وأبين، وهي مناطق تواجه أصلًا أزمات خدمية واقتصادية. ومع اتساع القتال، يصبح المدنيون مرة أخرى الحلقة الأكثر تعرضًا لتداعيات تغير خطوط السيطرة.
السلام أمام ميزان جديد
تضع التطورات الأخيرة أي مفاوضات مستقبلية أمام واقع أكثر تعقيدًا. فالحوثيون باتوا أقرب إلى تحويل السيطرة الميدانية على الساحل إلى ورقة سياسية واقتصادية، وهو ما قد يشجع الجماعة على المطالبة بترتيبات أوسع في ملفات الموانئ والموارد وأمن البحر الأحمر.
وفي الجانب الآخر، يضعف الانقسام داخل المعسكر المناهض للحوثيين قدرته على التفاوض من موقع موحد. وتزداد هذه المشكلة إذا استمرت الجبهات الجنوبية في التعرض للضغط، أو تحولت الخلافات السياسية بين المكونات المناهضة للجماعة إلى عائق أمام إعادة بناء جبهة عسكرية متماسكة.
وفي تصريحات لصحيفة الغارديان البريطانية، دعا مسؤولون جنوبيون إلى استراتيجية وطنية وإقليمية ودولية أكثر تماسكًا، معتبرين أن الضربات الجوية المتفرقة لا تكفي لمعالجة التحول الجاري على الأرض.
الدلالة الاستراتيجية
يعيد التقدم الحوثي تعريف شروط السلام أكثر مما يغير خطوط القتال وحدها. فكل مكسب ميداني قرب باب المندب يزيد قدرة الجماعة على ربط ملفات الداخل اليمني بأمن الملاحة والتجارة الإقليمية، ويمنحها هامشًا أكبر في أي تفاوض مقبل.
ويضع هذا الواقع الوسطاء أمام معضلة واضحة: احتواء الخطر البحري بصورة منفصلة قد يخفف التوتر مؤقتًا، لكنه قد يرسخ نتائج الأمر الواقع ويترك جذور الصراع دون معالجة. أما التسوية الأكثر استدامة فتحتاج إلى دمج أمن البحر الأحمر ضمن إطار سياسي أوسع يعالج السلطة والموارد وترتيبات الأمن والتمثيل السياسي داخل اليمن.
كما أن استمرار الانقسام بين القوى المناهضة للحوثيين سيجعل أي اتفاق أكثر اختلالًا، لأن التوازن التفاوضي يتأثر مباشرة بقدرة كل طرف على تحويل نفوذه الميداني إلى موقف سياسي موحد.
المؤشر الحاسم
يرتبط الاتجاه المقبل بقدرة القوات المناهضة للحوثيين على تثبيت خطوطها حول ذُو باب وباب المندب واستعادة قدر من التنسيق السياسي والعسكري. نجاح ذلك سيحد من تحويل المكاسب الحوثية الحالية إلى نفوذ تفاوضي دائم.
أما استمرار التقدم جنوبًا، بالتزامن مع توسع الضغط على السعودية والجبهات الجنوبية، فسيعني أن موازين التفاوض بدأت تتغير بصورة أعمق، وأن أي مسار سلام مقبل سيبدأ من شروط أكثر تعقيدًا وأقل توازنًا مما كانت عليه خلال السنوات الماضية.
كيف يعيد التقدم الحوثي رسم فرص السلام في اليمن؟
ورقة تقدير موقف صادرة عن مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام، تتناول انعكاسات التحولات الميدانية الأخيرة على موازين القوة وفرص التسوية ومسار السلام في اليمن.
