يشهد الشرق الأوسط مرحلة دقيقة تتقاطع فيها المواجهات العسكرية المباشرة مع تحولات أعمق في موازين النفوذ الإقليمي. فالتصعيد الأخير بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم يقتصر تأثيره على ساحة الصراع المباشر، بل أعاد طرح أسئلة استراتيجية حول طبيعة الأدوار التي تلعبها القوى المتحالفة مع طهران في المنطقة.
اللافت في هذه المواجهة هو الغياب النسبي لانخراط تلك القوى في المعركة، رغم حجم الضربات التي استهدفت البنية العسكرية والقيادية الإيرانية. هذا التريث لا يعكس فراغاً سياسياً، بل يشير إلى حسابات أكثر تعقيداً تتعلق بكلفة التصعيد وحدود القدرة على تحمّله.
ومن منظور مركز أوسان لتحليل السلام، تكتسب هذه التحولات أهمية خاصة في اليمن. فالصراع اليمني لم يعد شأناً محلياً خالصاً، بل أصبح جزءاً من توازنات إقليمية أوسع يمكن أن تفتح نافذة للتهدئة، أو تعيد إنتاج التوترات إذا لم تُدار بحذر سياسي ودبلوماسي.
حسابات التريث الإقليمي
يشير غياب الانخراط المباشر للقوى المتحالفة مع إيران في المواجهة الحالية إلى أن القرار الإقليمي لم يعد يتحرك وفق معادلة ردود الفعل السريعة. فالمعادلة اليوم أكثر تعقيداً، وترتبط بدرجة كبيرة بحسابات البقاء السياسي والعسكري لكل طرف.
فالضربات التي استهدفت البنية العسكرية الإيرانية أضعفت، إلى حد ما، قنوات الاتصال والقيادة التي كانت تسمح بتنسيق تحركات إقليمية متزامنة. وفي ظل هذا الوضع، يبدو أن العديد من القوى المرتبطة بطهران فضّلت تجنب الانخراط في مواجهة مفتوحة قد تعرّض مواقعها المحلية لضغوط عسكرية كبيرة دون تحقيق مكاسب واضحة.
كما أن الانخراط في مواجهة تشارك فيها الولايات المتحدة بقدراتها العسكرية المتقدمة قد يحول ساحات محلية مثل اليمن أو لبنان أو العراق إلى جبهات اشتباك مباشرة. ولهذا يبدو التريث خياراً سياسياً محسوباً يهدف أساساً إلى حماية النفوذ المحلي الذي تشكّل خلال سنوات طويلة من التفاعلات العسكرية والسياسية.
اليمن وفرصة التهدئة
يظل اليمن من أكثر الساحات تأثراً بهذه التحولات، نظراً لارتباط توازناته الداخلية بالمعادلات الإقليمية الأوسع. ففي الوقت الذي عبّرت فيه حركة أنصار الله عن تضامن سياسي مع إيران، لم يظهر حتى الآن انخراط عسكري مباشر في مسار المواجهة الإقليمية.
ويعكس هذا التباين بين الخطاب السياسي والواقع الميداني إدراكاً متزايداً لدى الأطراف اليمنية بأن أي تصعيد واسع قد يقوّض التفاهمات التي تشكلت خلال الفترة الماضية، خصوصاً مع المملكة العربية السعودية.
وقد أسهمت تلك التفاهمات، المدعومة بوساطات إقليمية ودولية، في خلق مساحة من التهدئة النسبية داخل اليمن. وفي ظل التطورات الحالية، قد تدفع إعادة ترتيب الأولويات الإقليمية نحو تعزيز هذا المسار، أو على الأقل منع انهياره.
من هذا المنطلق، يرى مركز أوسان أن المرحلة الراهنة قد تمثل فرصة لإعادة تثبيت مسار التهدئة في اليمن. لكن نجاح ذلك يظل مرهوناً بقدرة الأطراف الإقليمية على إبقاء الملف اليمني خارج حسابات التصعيد الأوسع في المنطقة. فإذا تحول اليمن مرة أخرى إلى ساحة صراع بالوكالة، فإن فرص السلام ستتراجع سريعاً، وسيعود البلد إلى دوامة عدم الاستقرار التي عانى منها طوال السنوات الماضية.
صحفي وباحث في الشأن السياسي اليمني
