
دخلت المواجهة في اليمن مرحلة تتقدم فيها العمليات العسكرية على الجهود السياسية، مع اتساع الهجمات على المؤسسات الحكومية والمطارات المدنية، وتصاعد الضربات المتبادلة بين الحوثيين والسعودية.
وجاء استهداف قصر معاشيق في عدن، في 15 أكتوبر/ تشرين الأول، ثم سقوط صاروخين باليستيين داخل نطاق مطار المدينة مساء 16 أكتوبر، ليضيفا ضغوطًا جديدة على مؤسسات الدولة وحركة المدنيين، بالتزامن مع تعثر محاولات استئناف الحوار.
ويكشف تتابع الهجمات عن معضلة تواجه عملية السلام. فالأطراف تواصل استخدام القوة لتحسين مواقعها، بينما تتراجع الثقة اللازمة للعودة إلى المفاوضات. وتزداد حساسية المرحلة مع امتداد المواجهة إلى المطارات والموانئ ومراكز الحكم، وهي مرافق يرتبط استمرار عملها بالاستقرار الاقتصادي والإنساني.
وتطرح التطورات الأخيرة سؤالًا بشأن قدرة الوساطة الدولية على استعادة دورها، في ظل اتساع العمليات العسكرية وغياب مؤشرات ملموسة على استعداد الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة.
المؤسسات المدنية في دائرة التصعيد
في 15 أكتوبر، أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن هجوم استهدف قصر معاشيق في عدن، مقر الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا. وأفاد وزير الصحة قاسم بحيبح بمقتل خمسة أشخاص وإصابة 16 آخرين، بينهم أفراد من الحراسات وموظفون مدنيون.
وأكدت وزارة الإعلام سلامة رئيس الوزراء شائع الزنداني وأعضاء الحكومة. وفي المقابل، قال الحوثيون إن الهجوم استهدف ما وصفوه بمقر للعمليات العسكرية السعودية، زاعمين وجود ضباط سعوديين ومخازن أسلحة في الموقع.
وبعد يوم واحد، أعلنت وزارة النقل اليمنية وشرطة عدن سقوط صاروخين باليستيين داخل نطاق مطار عدن الدولي مساء الجمعة 16 أكتوبر، أثناء استعداد طائرة تابعة للخطوط الجوية اليمنية للإقلاع إلى القاهرة واقتراب طائرة أخرى قادمة من العاصمة المصرية.
وأوضحت الوزارة أن الصاروخ الأول سقط قرب البوابة الغربية باتجاه المدرج، والثاني شمال غربي المطار، فيما أكدت الشرطة سقوط الصاروخين داخل حرم المطار. وبحسب المعلومات الأولية التي أعلنتها الشرطة، لم تُسجل خسائر بشرية، مع استمرار الإجراءات الأمنية والتحقيقات.
وكانت رحلة اليمنية رقم IYE 612 تستعد للمغادرة إلى القاهرة قبل إخلائها، بينما كانت طائرة تابعة لشركة فلاي عدن، تحمل رقم الرحلة QFF101، في الجو قادمة من القاهرة. ونُقل عن وزير الإعلام معمر الإرياني أن الصاروخين سقطا على مسافة تقارب 500 متر من طائرة اليمنية.
ويُعد هذا الهجوم الثاني على المطار خلال عشرة أيام. ففي 7 أكتوبر، سقط صاروخ قرب المدرج قبل دقائق من الموعد المقرر لهبوط رحلة اليمنية رقم 603 القادمة من القاهرة، وفق وزارة الخارجية اليمنية، دون تسجيل ضحايا.
وتكشف هذه الوقائع عن اتساع المخاطر التي تواجه الطيران المدني. فتعليق الرحلات أو تغيير مساراتها ينعكس على المرضى والمسافرين والأنشطة الاقتصادية، خصوصًا في بلد يعاني من محدودية خيارات النقل الجوي.
كما يستحضر تكرار استهداف المطار هجوم 30 ديسمبر/ كانون الأول 2020، الذي أسفر عن سقوط عشرات الضحايا أثناء وصول الحكومة اليمنية الجديدة إلى عدن، وفق ما أشارت إليه وزارة حقوق الإنسان.
تعثر الوساطة وحدود الضغط العسكري
تزامنت الهجمات على عدن مع تصريح لمسؤول في الخارجية السعودية لوكالة فرانس برس، في 15 أكتوبر، بأن الحوثيين رفضوا طلبًا سعوديًا للاجتماع في سلطنة عُمان قبل أسابيع. ويعطي هذا التصريح مؤشرًا على صعوبة إعادة تنشيط الاتصالات المباشرة، مع بقاء احتمال استمرار قنوات أخرى للوساطة.
وفي الوقت نفسه، أعلنت السعودية تكثيف عملياتها ضد مواقع الحوثيين، فيما تحدثت القوات الحكومية عن تنفيذ أكثر من 1250 عملية استهداف خلال أربع وعشرين ساعة. وتظل حصائل الخسائر المعلنة بحاجة إلى تحقق مستقل.
وتشير هذه التطورات إلى أن الأطراف تواصل اختبار قدرة خصومها على تحمل الضغوط العسكرية. غير أن استمرار الهجمات رغم اتساع الضربات الجوية يثير تساؤلات بشأن فاعلية هذه المقاربة في إنتاج تهدئة مستقرة.
وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما تشمل العمليات مرافق مدنية. فالحاجة إلى ضمانات أمنية لحماية المطارات ومؤسسات الحكم قد تصبح شرطًا إضافيًا لاستئناف التفاوض، إلى جانب الملفات العسكرية والاقتصادية التي ظلت عالقة خلال السنوات الماضية.
مجلس الأمن أمام اختبار التنفيذ
في 15 أكتوبر، أصدر مجلس الأمن الدولي بيانًا رئاسيًا أدان فيه الهجمات الحوثية على السعودية والملاحة الدولية، وأكد أن السلام الدائم في اليمن يتطلب تسوية سياسية يقودها اليمنيون، مجددًا دعمه لجهود المبعوث الأممي هانس غروندبرغ.
وجاء البيان في يوم استهداف مقر الحكومة بعدن، وقبل يوم واحد من الهجوم الجديد على مطارها الدولي، وهو تزامن يكشف الفجوة بين الدعوات الدولية لخفض التصعيد والتطورات العسكرية المتلاحقة.
وتتمثل أهمية الموقف الدولي في توفير أساس سياسي مشترك لاستئناف الوساطة. لكن تحويل هذا الموقف إلى نتائج عملية يتطلب تفاهمات قابلة للتنفيذ، تبدأ بوقف الهجمات على المدنيين والمنشآت الحيوية، وضمان استمرار عمل المؤسسات والخدمات الأساسية.
الدلالة الاستراتيجية
يكشف استهداف مقر الحكومة ومطار عدن خلال يومين متتاليين عن اتساع نطاق المخاطر التي تواجه مؤسسات الدولة والمرافق المدنية في اليمن. ويضيف هذا التطور تحديًا جديدًا أمام عملية السلام، إذ أصبحت حماية المؤسسات واستمرار الخدمات جزءًا أكثر إلحاحًا من أي ترتيبات مستقبلية لخفض التصعيد.
وتحمل الهجمات على المطارات كلفة خاصة. فتعطيل حركة الطيران يضعف اتصال اليمن بالعالم، ويؤثر في سفر المرضى والأنشطة الاقتصادية والإنسانية، وقد يزيد الضغوط على مؤسسات تعاني أصلًا من محدودية الموارد.
ويرى مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام أن استمرار التصعيد بهذا النمط قد يدفع الأطراف إلى تقديم المطالب الأمنية على القضايا السياسية والاقتصادية خلال أي مفاوضات مقبلة. وقد يطيل ذلك الطريق نحو التسوية، خصوصًا إذا استمرت الهجمات في تقويض الثقة والقدرة على تنفيذ التفاهمات.
المؤشر الحاسم
ستكشف التطورات المقبلة مدى قدرة الوساطة الأممية والعُمانية على تحويل المواقف الدولية إلى ترتيبات ملموسة لحماية المطارات والمؤسسات الحكومية والمنشآت المدنية، بالتوازي مع خفض الهجمات العابرة للحدود.
وسيكون استمرار تشغيل مطار عدن بأمان، وتوقف استهداف مراكز الحكم، واستئناف الاتصالات السياسية المباشرة مؤشرات مهمة على استعادة الدبلوماسية بعض قدرتها على التأثير.
أما تكرار الهجمات على هذه المرافق، مع استمرار الضربات المتبادلة وتعثر الاتصالات، فسيشير إلى اتساع الفجوة بين الأطراف، ويزيد صعوبة الانتقال من إدارة المواجهة إلى التفاوض على تسوية سياسية شاملة.
