مشاركة المادة
تاريخ النشر: 27-09-2026
الساعة 4:57 صباحًا بتوقيت عدن

وضعت التطورات الأخيرة في اليمن السعودية أمام معادلة أكثر صعوبة من تلك التي حكمت سنوات التهدئة الماضية. فالتقدم الحوثي باتجاه باب المندب رفع كلفة عدم التحرك، بينما أظهر رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طلبًا سعوديًا بتوجيه ضربات مباشرة إلى الحوثيين حدود المساندة التي يمكن للرياض توقعها من واشنطن في هذه المرحلة. وبين الضغطين، تتقلص الخيارات العسكرية من دون أن يصبح الطريق إلى التسوية أكثر سهولة.

هذه المعضلة تتجاوز العلاقة السعودية الحوثية. فأمن باب المندب يرتبط اليوم باضطرابات مضيق هرمز، وأسواق الطاقة، والحرب الأمريكية الإيرانية، في وقت يحذر فيه المجتمع الدولي من اتساع النزوح داخل اليمن. ولذلك قد يكون السؤال الأهم للسلام هو ما إذا كانت كلفة الحرب الجديدة ستدفع الأطراف إلى تفاوض أكثر جدية، أم ستمنح اختلالات القوة الحالية الحوثيين حافزًا للمطالبة بشروط أعلى.

باب المندب يغيّر حسابات الردع

أتاح تقدم الحوثيين على الساحل الغربي للجماعة موقعًا أكثر تأثيرًا في واحد من أهم الممرات البحرية الدولية. وأكدت الأمم المتحدة، منتصف سبتمبر، أن القتال اشتد على الساحل مع تقدم الحوثيين نحو باب المندب، في وقت زادت فيه التطورات من مخاوف الأسواق بالتزامن مع اضطرابات مضيق هرمز.

وتذهب مجلة «فورن أفيرز» إلى أن التقدم الحوثي كشف أيضًا هشاشة المعسكر المناهض للجماعة. فالقيادة الأكثر مركزية للقوات الموالية للحكومة لم تنتج، وفق تحليل أبريل لونغلي آلي وأليسون ماينور، مستوى مماثلًا من التنسيق العسكري والسياسي، فيما عزز سقوط مواقع استراتيجية موقع الحوثيين وقد يدفعهم إلى التشدد في أي مفاوضات مقبلة.

ويصبح أثر هذا التحول أكبر بالنسبة للسعودية مع استمرار الاضطراب في هرمز. فالرياض أعادت تشغيل خط أنابيب الشرق–الغرب وتستعد لاستئناف صادرات الخام من ينبع، بما يزيد أهمية الساحل الغربي والبحر الأحمر في أمن الطاقة السعودي. وفي الوقت نفسه، أعلنت إيران استعدادها لإعادة فتح هرمز خلال سبعة أيام إذا خففت واشنطن الضغط العسكري ورفعت القيود عن موانئها، ما يجعل ملف اليمن جزءًا من مساومات إقليمية أوسع لا تتحكم الرياض وحدها في مسارها.

واشنطن ترسم حدود المشاركة

برز العامل الأمريكي بوضوح عندما أفادت شبكة CNN الأمريكية في تقرير لها، في 11 سبتمبر، بأن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان تحدث مرتين مع ترامب وحثه على توجيه ضربات إلى الحوثيين، لكن الرئيس الأمريكي رفض. وفي المقابل، وسعت واشنطن دعمها الاستخباراتي والمساعدة في تحديد الأهداف للسعودية، من دون الانتقال إلى المشاركة المباشرة في العمليات.

ويعكس هذا الموقف أولويات أمريكية مختلفة. فواشنطن تواجه أصلًا حربًا مع إيران وضغوطًا على قدراتها البحرية والذخائر، فيما تشير تحليلات CNN إلى أن التدخل ضد الحوثيين يحتاج موارد إضافية ويصعب فصله عن الصراع الإقليمي الأوسع. كما أن تجربة الحملات السابقة لم تنتج حسمًا عسكريًا نهائيًا ضد الجماعة.

بالنسبة للرياض، يعني ذلك أن إعادة الانخراط في حرب واسعة ستتم تحت مظلة أمريكية أضيق من السابق. أما الاكتفاء بالاحتواء فقد يسمح للحوثيين بتثبيت مكاسبهم قرب المضيق وتحويلها إلى نفوذ سياسي واقتصادي طويل الأمد.

الكلفة الإنسانية تضيق مساحة المناورة

في الداخل اليمني، تتقدم الكلفة الإنسانية بالتوازي مع الحسابات الجيوسياسية. فقد قالت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن التصعيد على الساحل الغربي تسبب حتى منتصف سبتمبر في نزوح أكثر من 100 ألف شخص داخل اليمن، إضافة إلى عبور آلاف آخرين نحو جيبوتي، وحذرت من موجات نزوح إضافية إذا اتسعت المواجهة.

وفي 22 سبتمبر، توقع ممثل المفوضية في اليمن، أرمين يدغاريان نزوح نحو 230 ألف يمني إذا استمر الصراع، بينما أعربت الأمم المتحدة عن قلقها من الهجمات في تعز ولحج ومأرب وطالبت بحماية المدنيين والبنية التحتية.

ويجعل ذلك أي خيار عسكري واسع أكثر كلفة سياسيًا وإنسانيًا. كما يفسر استمرار النشاط الدبلوماسي؛ إذ توجه المبعوث الأممي هانس غروندبرغ إلى مسقط لإجراء محادثات مع مسؤولين عُمانيين وممثلين عن الحوثيين في وقت يستمر فيه التصعيد.

الدلالة الاستراتيجية

تغيرت معادلة السلام لأن السعودية تواجه الآن ضغطين متعاكسين. فالحفاظ على باب المندب وأمن حدودها يتطلبان استعادة قدر من الردع، بينما تحد قدرة الرياض على خوض حرب منفردة من مساحة التصعيد المتاحة لها. ويضيف إحجام واشنطن عن المشاركة المباشرة عاملًا جديدًا قد يدفع المملكة إلى البحث عن ترتيبات إقليمية ودبلوماسية أوسع.

لكن الدبلوماسية في ظل اختلال متزايد في ميزان القوة تحمل مشكلة أخرى: كلما رسخ الحوثيون نفوذهم الميداني والبحري، ازدادت قدرتهم على استخدام هذه المكاسب لرفع شروط أي تسوية. ولذلك فإن ضيق الخيارات العسكرية لا يقود تلقائيًا إلى سلام أفضل؛ وقد ينتج تفاوضًا أكثر صعوبة إذا دخلته الأطراف من مواقع شديدة الاختلال.

المؤشر الحاسم

سيكشف التزامن بين مسارين اتجاه الأزمة خلال المرحلة المقبلة: مدى استمرار واشنطن في حصر دعمها للسعودية في الاستخبارات واللوجستيات، وقدرة الوساطة في مسقط على إنتاج خطوات ملموسة لخفض التصعيد. استمرار الرفض الأمريكي للتدخل مع بقاء باب المندب تحت ضغط عسكري سيدفع الرياض إلى إعادة تعريف استراتيجيتها، وقد يجعل الحل الدبلوماسي ضرورة أكثر منه خيارًا.

أما فشل الوساطة واستمرار التقدم الحوثي والهجمات على السعودية، فسيزيد احتمال انتقال المملكة إلى حرب تحاول تجنبها، مع كلفة إنسانية وإقليمية يصعب احتواؤها.

أحمد حسن
المدير التنفيذي
الحسابات ووسائل التواصل الرسمية
مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام
Osan Center for Media and Peace Analysis