
تؤكد التحولات الجيوسياسية المتسارعة على مستوى العالم أن النزاعات الإقليمية لم تعد تدار بمعزل عن السياق الدولي العام. وفي هذا الإطار، تقدم الحرب الروسية الأوكرانية نموذجاً حياً وعميقاً لكيفية تشكّل توازنات القوة، ودور الدعم الخارجي والضمانات الأمنية في إطالة أمد الصراع أو دفعه نحو تسويات غير متكافئة. وبالنظر إلى الواقع اليمني، يتضح أن النزاع الممتد منذ أعوام بات يتقاطع بشكل مباشر مع المبادئ ذاتها التي أفرزتها أزمة شرق أوروبا، لا سيما مع ترسيخ أطراف الصراع لمنطق “فرض الأمر الواقع” على الأرض قبل أي طاولة مفاوضات مرتبقة.
تُظهر القراءة المتعمقة لدرس القوة في النموذج الأوكراني أن بناء أي موقف تفاوضي متماسك لا يعتمد فقط على الشرعية القانونية أو الخطاب الدبلوماسي، بل يتطلب بالأساس توازناً ميدانياً وحزمة من الضمانات الأمنية الصارمة. وفي اليمن، كشفت الهدن والمبادرات المتتالية منذ عام 2022 أن جمود الجبهات لم يفضِ بالضرورة إلى سلام مستدام، لكنه أتاح فرصة لإعادة التموضع والتحشيد، وهو ما تجلى في التحركات الميدانية الأحدث بالساحل الغربي ومحيط الممرات المائية الحيوية.
هذا التحول يتشابه بصورة ملفتة مع حالة التعثر التفاوضي في المسار الأوكراني، حيث تحول التحكم في الجغرافيا والموانئ إلى ورقة مساومة سياسية واقتصادية تتجاوز الحدود الوطنية لتضغط على أمن الملاحة والاقتصاد الإقليمي والدولي.
علاوة على ذلك، يبرز ملف “الدعم الخارجي والحماية المؤسسية” كأحد أهم الدروس المستفادة. ففي حين أثبتت التجربة الأوكرانية أن الاعتماد المطلق على التعهدات الخارجية دون بناء جبهة داخلية موحدة يخلق هشاشة استراتيجية، يعاني المعسكر المناهض للحوثيين في اليمن من تباين الأولويات وتفكك الهياكل العسكرية والسياسية، مما أضعف قدرته على تحويل نقاط قوته إلى موقف تفاوضي الموقف. وفي مقابل هذا الانقسام، تمكنت الجماعة من ربط مكاسبها الميدانية بالملفات الجيوسياسية الكبرى بالمنطقة، مستفيدة من التنسيق والدعم الإقليمي لرفع سقف المطالب في أي ترتيبات قادمة.
إن استمرار هذا الخلل في توازن القوة يقود بالضرورة إلى سيناريوهين لا ثالث لهما: إما فرض “سلام استسلامي” يرسّخ نتائج الأمر الواقع ويترك الجذور العميقة للصراع دون معالجة، أو الانزلاق نحو جولة جديدة من التصعيد الشامل مع اتساع نطاق المخاطر العابرة للحدود، مثل ظواهر التجنيد غير المشروعة وتزايد كلفة النزوح الإنساني الضخمة التي تدفع ثمنها المجتمعات المحلية.
ولتحاشي هذه المآلات، تتطلب المعادلة اليمنية الانتقال من خطط الرق الترقيعية إلى “تسوية تدريجية مشروطة”. تعتمد هذه المقاربة على إعادة بناء التوازن العسكري والسياسي ميدانياً، وربط المساعدات الاقتصادية والترتيبات الأمنية بآليات مراقبة دولية محكمة. كما تقتضي إيجاد ضمانات أمنية حقيقية تحمي السكّان وتمنع استغلال الممرات المائية الدولية كأوراق ضغط، مما يضمن تحويل مسار السلام من مجرد اتفاق لتوزيع النفوذ إلى إطار سياسي شامل ومستدام يعالج قضايا السلطة والموارد والتمثيل الوطني.
