مشاركة المادة
تاريخ النشر: 26-07-2026
الساعة 6:43 صباحًا بتوقيت عدن

لم يكن الارتفاع السريع في أسعار النفط هو النتيجة الأبرز للهجمات الأخيرة في البحر الأحمر، بل كشف عن تحول أعمق في طبيعة الصراع اليمني.

فبعد سنوات ارتبطت فيها الحرب بالسيطرة على المدن والجبهات والموانئ، بات النفط نفسه أداة لإعادة رسم موازين الردع، بما يوسّع تأثير النزاع من الداخل اليمني إلى أسواق الطاقة العالمية وحسابات الأمن الإقليمي.

ويعكس استهداف ناقلات النفط السعودية عند باب المندب انتقالًا لافتًا في منطق المواجهة. فلم تعد الأطراف تكتفي باستنزاف خصومها عسكريًا، وإنما تسعى إلى التأثير في قراراتهم عبر رفع الكلفة الاقتصادية لأي تصعيد.

وفي هذا السياق، يصبح تعطيل الملاحة وسيلة لإحداث أثر يتجاوز ساحة القتال، ليطال التجارة الدولية، وأسعار الطاقة، وحسابات الدول المعنية بأمن الإمدادات.

ويضع هذا التحول عملية السلام أمام واقع أكثر تعقيدًا، لأن احتواء النزاع لم يعد يرتبط فقط بوقف إطلاق النار، وإنما أيضًا بمنع انتقال أدوات الحرب إلى الاقتصاد العالمي.

النفط لم يعد مجرد مورد

تكشف التطورات الأخيرة أن قيمة النفط في الصراع اليمني باتت تُقاس بقدرته على التأثير في سلوك الأطراف الإقليمية والدولية. فاستهداف ناقلتي النفط السعوديتين ENCELIA وLAYLA، وفق إعلان جماعة (أنصار الله) الحوثيين، جاء بعد أيام من إعلان الجماعة فرض حظر على الملاحة المرتبطة بالسعودية، في خطوة حملت رسالة تتجاوز استهداف سفينتين بعينهما، إلى محاولة التأثير في حركة صادرات الطاقة عبر البحر الأحمر.

وتزداد أهمية هذه الرسالة في ظل التحولات التي شهدتها طرق تصدير النفط خلال السنوات الأخيرة. فقد عززت السعودية اعتمادها على ميناء ينبع المطل على البحر الأحمر لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، فيما تشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن نحو 8% من تجارة النفط العالمية تعبر باب المندب، وهو ما يمنح أي اضطراب في هذا الممر أثرًا يتجاوز حدود المنطقة.

ولا يتطلب تحقيق هذا الأثر تعطيلًا كاملًا لحركة الملاحة. فمجرد ارتفاع مستوى المخاطر يدفع شركات الشحن والتأمين إلى إعادة تقييم مساراتها وكلفها التشغيلية.

ولهذا نقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن عدد من الباحثين أن قدرة الحوثيين لا تكمن في إغلاق البحر الأحمر بالكامل، وإنما في خلق مستوى من المخاطرة يجعل استمرار النشاط التجاري أكثر تكلفة.

كما أشارت تقارير متخصصة إلى احتمال لجوء بعض الناقلات إلى مسارات أطول، بما يزيد زمن الرحلات وتكاليف النقل، حتى لو بقيت الأضرار العسكرية المباشرة محدودة.

السلام أمام معادلة جديدة

هذا التحول قد يعيد صياغة البيئة التي تتحرك فيها جهود السلام. فحين تصبح الممرات البحرية وأسواق الطاقة جزءًا من أدوات الضغط، تتداخل الأولويات الأمنية والاقتصادية مع المسار السياسي، ويغدو احتواء التصعيد مطلبًا يمتد إلى الدول المعنية باستقرار التجارة العالمية.

وفي هذا الإطار، رأت صحيفة وول ستريت جورنال أن انخراط الحوثيين في التصعيد الإقليمي جاء بعد أشهر من بقائهم خارج المواجهة المباشرة، مستفيدين من موقعهم على الساحل المطل على باب المندب.

كما اعتبرت مؤسسة ستراتفور أن الجماعة تراهن على تجنب السعودية الانزلاق إلى حرب واسعة، في محاولة لتعزيز موقفها التفاوضي وتحقيق مكاسب تتعلق بالموانئ والمطارات والقيود المفروضة على المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وفي المقابل، تبدو الخيارات المتاحة أمام الأطراف الإقليمية والدولية شديدة الحساسية. فالتصعيد العسكري قد يوسع دائرة المواجهة ويزيد الضغوط على أسواق الطاقة، بينما قد يمنح الاكتفاء بالردود المحدودة الجماعة مساحة لمواصلة استخدام الملاحة كورقة ضغط.

وبين هذين الخيارين، تبرز الوساطة، خصوصًا عبر سلطنة عُمان، باعتبارها المسار الأكثر قدرة على احتواء الأزمة، ليس فقط لتخفيف التوتر العسكري، وإنما أيضًا لحماية الممرات البحرية من التحول إلى ساحة صراع دائمة.

ومع اتساع ارتباط الأزمة اليمنية بأمن الطاقة العالمي، تبدو فرص التسوية مرهونة بقدرة الأطراف على إعادة تحييد الاقتصاد عن الصراع. فكلما طال أمد توظيف النفط والممرات البحرية في معادلات الردع، ازدادت صعوبة العودة إلى مفاوضات تركز على الداخل اليمني وحده، واتسعت دائرة الفاعلين الذين باتت مصالحهم مرتبطة بمسار الحرب والسلام.

مريم عمر
رئيسة مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام
الحسابات ووسائل التواصل الرسمية
مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام
Osan Center for Media and Peace Analysis