مشاركة المادة

مركز أوسان | أحمد حسن

أعاد إعلان جماعة (أنصار الله) الحوثيين فرض ما وصفته بحظر الملاحة على السعودية رسم حدود المواجهة خارج نطاقها اليمني المباشر، إذ باتت منشآت الطاقة ومسارات تصدير النفط جزءًا من حسابات التصعيد المتبادل.

وتأتي هذه التطورات في وقت تزداد فيه أهمية البحر الأحمر ومضيق باب المندب بسبب الاضطرابات المحيطة بمضيق هرمز، ما يمنح أي تهديد للصادرات السعودية أثرًا يتجاوز العلاقة بين الرياض والحوثيين إلى أسواق الطاقة العالمية.

المزيد: الملاحة والوساطة: سباق احتواء التصعيد في اليمن

وتشير قراءة نشرها المجلس الأطلسي، في 20 تموز/ يوليو الجاري، إلى أن الخطر لا يرتبط فقط بقدرة الحوثيين على استهداف السفن، إذ قد يمتد إلى مدينة ينبع، أحد المراكز الرئيسية لتصدير النفط السعودي عبر البحر الأحمر.

ومع أن هذا الاحتمال يظل مرتبطًا بقدرات الجماعة العسكرية وردود الفعل السعودية، فإنه يكشف تحوّل الطاقة إلى ورقة ضغط تفاوضية قد تعيد اليمن إلى مرحلة من التصعيد يصعب ضبطها سياسيًا أو اقتصاديًا.

الطاقة تحت التهديد

يمثل باب المندب نقطة العبور الأساسية بين البحر الأحمر وخليج عدن، وقد أثبتت الهجمات السابقة أن التهديدات الحوثية قادرة على رفع تكاليف التأمين وإرباك حركة الشحن، حتى عندما لا تؤدي إلى توقف كامل للملاحة.

ووفق تقديرات أوردها تحليل المجلس الأطلسي، تأثرت خلال مراحل سابقة تدفقات تمثل نحو 7% من الإمدادات العالمية، في حين تبقى البدائل المتاحة محدودة أمام أي اضطراب واسع وطويل الأمد.

غير أن استهداف ينبع، إذا حدث، سيحمل دلالة مختلفة. فالمدينة ليست ممرًا بحريًا فقط، وإنما مركز لتجميع وتصدير النفط القادم من شرق السعودية عبر شبكة أنابيب صُممت لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز.

ونجاح أي هجوم في تعطيل منشآتها قد يضعف أحد أهم البدائل السعودية لمواجهة اضطرابات الخليج، ويرفع حساسية الأسواق تجاه كل تطور عسكري في اليمن.

في المقابل، يتطلب تنفيذ هجمات مؤثرة على منشآت محمية داخل السعودية مستوى مرتفعًا من الدقة والقدرة على تجاوز الدفاعات الجوية.

ولهذا تظل التهديدات الحالية واقعة بين الردع السياسي والاستعداد العسكري الفعلي، مع صعوبة تحديد النقطة التي قد تنتقل عندها من الضغط المحسوب إلى مواجهة مفتوحة.

مساومة أم حرب

يرتبط مسار التصعيد بالهدف الذي تسعى الجماعة إلى تحقيقه. فإذا كان الإعلان جزءًا من تفاوض غير مباشر، فقد يكون الغرض رفع كلفة المماطلة على  وانتزاع تنازلات تتصل بالرحلات الجوية، والموانئ، والرواتب، والموارد الاقتصادية.

وتنسجم هذه القراءة مع خطاب حوثي متكرر يربط التحركات العسكرية بملفات إنسانية واقتصادية، مع أن مسؤولية تعثر هذه الملفات محل خلاف بين الأطراف اليمنية والإقليمية.

أما إذا تجاوزت الأهداف حدود الضغط التفاوضي، فقد يصبح التهديد البحري مدخلًا لعودة الحرب الواسعة.

وقد تجنبت الجماعة حتى الآن فتح جبهات برية كبيرة، غير أن توجيه الضربات إلى صادرات النفط السعودية قد يدفع الرياض إلى رد أشد اتساعًا، خصوصًا إذا انعكست الهجمات على الأسعار العالمية أو هددت قدرتها على التصدير.

وقد يشمل ذلك تكثيف العمليات داخل اليمن أو طلب دعم أمريكي أوسع لحماية المنشآت والممرات البحرية.

ويرى مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام أن أخطر ما في هذا المسار هو انتقال التفاوض من ملفات يمنية قابلة للمعالجة إلى تهديدات تمس الاقتصاد العالمي. فكلما ارتفعت كلفة النزاع على أسواق الطاقة، تقلصت مساحة الحلول المحلية واتسعت فرص التدخلات الخارجية ذات الطابع الأمني. وقد يؤدي ذلك إلى تهميش قضايا السلام الأساسية، مثل استعادة المؤسسات وصرف الرواتب وفتح الطرق وحماية المدنيين.

لذلك، سيبقى مستقبل التصعيد مرتبطًا بقدرة الأطراف على إبقاء النفط والملاحة خارج دائرة المقايضة العسكرية.

فتهديد ينبع أو تعطيل باب المندب قد يمنح الحوثيين نفوذًا مؤقتًا، لكنه يحمل في الوقت نفسه خطر استدعاء مواجهة إقليمية تعيد اليمن إلى الحرب وتبدد مكاسب التهدئة التي تراكمت خلال السنوات الأربع الماضية.

المدير التنفيذي لمركز أوسان