مشاركة المادة

مركز أوسان |

أخذ التصعيد المرتبط بالأزمة اليمنية منحى جديدًا خلال الأيام الأخيرة، بعدما انتقل من التهديدات العسكرية المتبادلة إلى استهداف أدوات الاقتصاد والتجارة الإقليمية، في تطور يضع جهود السلام أمام اختبار أكثر تعقيدًا.

فبعد إعلان جماعة (أنصار الله) الحوثيين حظر الملاحة البحرية على السعودية، برزت مؤشرات على محاولة ترجمة هذا الإعلان إلى إجراءات عملية عبر تحذير شركات الشحن من التعامل مع الموانئ السعودية، في وقت تصاعدت فيه التحركات الدولية الرامية إلى منع اتساع دائرة المواجهة.

المزيد: من الأجواء إلى البحار: التصعيد الحوثي السعودي وتحديات السلام في اليمن

وتكشف هذه التطورات عن مسارين متوازيين؛ الأول يتجه نحو توسيع أدوات الضغط عبر البحر الأحمر، بينما يسعى الثاني إلى احتواء الأزمة دبلوماسيًا قبل أن تتحول إلى مواجهة إقليمية أوسع.

ويعكس هذا التوازي إدراكًا دوليًا متزايدًا بأن أي اضطراب جديد في الملاحة لن يقتصر أثره على أطراف النزاع، وإنما سيمتد إلى أمن التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، وهو ما يمنح الملف اليمني بعدًا دوليًا يتجاوز حدوده التقليدية.

الضغط خارج الميدان

حذرت جماعة الحوثيين، يوم الثلاثاء 21 تموز/ يوليو الجاري، شركات الشحن، بحسب ما نقلته وكالة “رويترز”، من تحميل أو تفريغ البضائع في الموانئ السعودية، في أول مؤشر على محاولة توسيع نطاق إعلانها السابق بشأن حظر الملاحة البحرية. وإذا ما اتخذت هذه التهديدات طابعًا عمليًا، فإنها ستنقل التصعيد من مستوى الرسائل السياسية إلى مستوى التأثير المباشر في حركة التجارة.

ويأتي ذلك امتدادًا للأزمة التي بدأت، في 13 تموز/ يوليو، بمحاولة تشغيل رحلة إيرانية مباشرة إلى مطار صنعاء، وما أعقبها من استهداف مدرج المطار، ثم الهجمات الحوثية على مطار أبها، وصولًا إلى إعلان الحظر البحري. ويشير هذا التسلسل إلى أن أدوات الضغط تتوسع تدريجيًا، مع انتقالها من المجال الجوي إلى المجال البحري، في وقت لا تزال فيه حدود التصعيد الفعلي غير محسومة.

وفي المقابل، لم تتضح بعد الكيفية التي يمكن من خلالها تنفيذ التهديدات الجديدة أو مدى استجابة شركات الشحن لها، ما يجعل الفارق قائمًا بين الخطاب المعلن والقدرة على فرض واقع ميداني. ومع ذلك، فإن مجرد توجيه رسائل مباشرة إلى قطاع النقل البحري يعكس محاولة لإعادة صياغة قواعد الضغط في الأزمة اليمنية، عبر استهداف الاعتبارات الاقتصادية إلى جانب البعد العسكري.

الدبلوماسية تحت الضغط

تزامنت هذه التطورات مع تحرك دبلوماسي لافت. فقد أعرب المتحدث باسم الأمم المتحدة، اليوم، عن قلق بالغ إزاء تهديدات الحوثيين للسعودية وحرية الملاحة، محذرًا من خطر توسيع نطاق التصعيد الإقليمي، وداعيًا جميع الأطراف إلى معالجة خلافاتها عبر الحوار والدبلوماسية، مع تجديد التأكيد على الالتزام بقرار مجلس الأمن 2722 والقرارات المرتبطة بحماية الملاحة التجارية.

وفي السياق نفسه، أكد القائم بأعمال السفارة الصينية في الرياض، خلال لقائه المبعوث الأممي هانس غروندبرغ، الإثنين الماضي، قلق بكين من التصعيد الأخير، داعيًا إلى الحفاظ على الهدوء، ومعلنًا استعداد الصين للعمل مع المجتمع الدولي لدفع الحل السياسي في اليمن.

ويعكس هذا الموقف اتساع دائرة الاهتمام الدولي بالأزمة، خصوصًا في ظل الأهمية الاقتصادية التي يمثلها البحر الأحمر للتجارة العالمية، وما قد يترتب على أي اضطراب جديد من انعكاسات تتجاوز الإقليم.

ويرى مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام أن التطورات الأخيرة تشير إلى انتقال الاهتمام الدولي من متابعة التصعيد العسكري بحد ذاته إلى التركيز على تداعياته المحتملة على الملاحة والاقتصاد الإقليمي. ويعني ذلك أن أي توسع في استهداف الممرات البحرية قد يدفع مزيدًا من القوى الدولية إلى الانخراط في جهود الاحتواء، حفاظًا على استقرار خطوط التجارة، وليس فقط دعمًا لعملية السلام في اليمن. وفي المقابل، تظل قدرة الوسطاء على منع تداخل الحسابات الإقليمية مع المسار اليمني العامل الأكثر تأثيرًا في الحفاظ على التهدئة، ومنع انزلاق الأزمة إلى مرحلة يصعب احتواء تداعياتها.