
لم يعد التصعيد الأخير في اليمن يقتصر على المواجهات العابرة للحدود أو الخلافات المرتبطة بتشغيل مطار صنعاء، وإنما بات يعكس تحولاً أوسع في موقع اليمن داخل معادلة الصراع الإقليمي.
فالتقارير التي تحدثت عن استعدادات محتملة لاستهداف الملاحة في باب المندب، بالتزامن مع عودة الهجمات بين السعودية وجماعة أنصار الله الحوثيين، تشير إلى أن أدوات الضغط لم تعد محصورة داخل الجغرافيا اليمنية، بل امتدت إلى أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
وفي المقابل، تتواصل تحركات الأمم المتحدة للحفاظ على التهدئة، بينما برز إعلان الأردن استكمال إجراءات استئناف الرحلات إلى صنعاء كمؤشر على استمرار المساعي الرامية إلى حماية المسارات الإنسانية.
وتكشف هذه التطورات عن مفارقة أساسية تتمثل في أن فرص السلام في اليمن لا تواجه تحديات داخلية فحسب، وإنما أصبحت أكثر ارتباطاً بإيقاع التوترات الإقليمية وحدود انتقالها إلى الساحة اليمنية.
توسع معادلة الردع
بحسب تقرير نشرته وكالة “رويترز”، استناداً إلى ثلاثة مصادر، طلبت إيران من جماعة الحوثيين الاستعداد لإغلاق مضيق باب المندب إذا تعرضت شبكة الطاقة الإيرانية لهجوم أمريكي، فيما نقلت الوكالة عن مصادر أخرى أن الجماعة تنتظر إشارة لشن هجمات على حركة الملاحة.
وإذا تأكدت هذه المعلومات، فإنها تعكس انتقال اليمن من ساحة تتأثر بالتنافس الإقليمي إلى ساحة قد تُستخدم ضمن حسابات الردع بين واشنطن وطهران.
ويتزامن ذلك مع تداعيات أزمة الطائرة الإيرانية التي حاولت الوصول إلى صنعاء، وما تبعها من استهداف مدرج المطار، حيث تؤكد الحكومة اليمنية أن الإجراء جاء لمنع هبوط رحلة اعتبرتها مخالفة للسيادة الوطنية، بينما تتهم جماعة الحوثيين السعودية بتنفيذ القصف وتعتبره خرقاً للتفاهمات القائمة.
كما عززت تصريحات زعيم الجماعة، التي ربطت استهداف المطارات والموانئ بردود مماثلة، مؤشرات التصعيد، وإن ظلت في إطار المواقف المعلنة التي لم تتحول كلها إلى وقائع ميدانية.
ولا يقتصر أثر هذه التطورات على العلاقة بين السعودية والحوثيين، إذ إن أي تهديد فعلي لباب المندب ستكون له تداعيات مباشرة على التجارة الدولية وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد، ما يرفع مستوى الاهتمام الدولي بالملف اليمني بوصفه جزءاً من منظومة الأمن البحري الإقليمي.
فرص السلام الهشة
رغم تصاعد الخطاب العسكري، لم تتوقف الجهود السياسية. فقد جاءت زيارة المبعوث الأممي هانس غروندبرغ إلى مسقط ولقاءاته مع مسؤولين عُمانيين وكبير مفاوضي الحوثيين في محاولة للحفاظ على مستوى التهدئة الذي تحقق منذ هدنة عام 2022. كما عكست مواقف الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة اهتماماً متزايداً بمنع توسع دائرة التصعيد، وإن اختلفت مقاربة كل طرف تجاه أسبابه وسبل التعامل معه.
وفي الوقت نفسه، يحمل إعلان الخطوط الجوية الملكية الأردنية استكمال إجراءات استئناف الرحلات إلى مطار صنعاء دلالة تتجاوز قطاع الطيران، إذ يشير إلى وجود محاولات للفصل بين الاعتبارات الإنسانية والخلافات السياسية. فاستمرار الرحلات المدنية عبر ترتيبات متوافق عليها قد يسهم في حماية أحد أهم إجراءات بناء الثقة التي أفرزتها الهدنة، ويحد من تحول ملف المطار إلى نقطة اشتباك دائمة.
ويرى مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام أن الخطر الأكبر لا يتمثل في حادثة منفردة، وإنما في تزايد ترابط الملفات اليمنية مع حسابات الصراع الإقليمي، بما يجعل قضايا مثل المطارات والموانئ والممرات البحرية أدوات ضغط متبادلة بدلاً من كونها مساحات لبناء الثقة.
ومن ثم، فإن الحفاظ على السلام في اليمن يتطلب تحصين الملفات الإنسانية والاقتصادية من التجاذبات العسكرية، ودعم الوساطة الأممية، وتعزيز التفاهمات التي تمنع انتقال المنافسة الإقليمية إلى مفاصل الحياة المدنية.
فكلما اتسعت دائرة الربط بين اليمن وأزمات المنطقة، ازدادت هشاشة التهدئة، وأصبح الحفاظ على المسار السياسي أكثر تعقيداً، رغم استمرار الحاجة إليه باعتباره الخيار الأكثر واقعية لتجنب دورة جديدة من التصعيد.
