
بات اليمن يحظى بحضور متزايد في التحليلات الدولية بوصفه أحد العوامل المؤثرة في مسار الصراع الإقليمي. ويعكس هذا التحول تغيرًا في الطريقة التي تنظر بها مراكز الدراسات ووسائل الإعلام الدولية إلى الحرب اليمنية، بعدما غدت الهجمات على الممرات البحرية ومنشآت الطاقة جزءًا من حسابات الردع بين القوى الإقليمية والدولية.
وتلتقي معظم القراءات الحديثة عند نقطة واحدة؛ فالتصعيد الأخير لم يوسع نطاق المواجهة فحسب، وإنما أعاد تموضع اليمن داخل معادلة الصراع في الشرق الأوسط. وباتت تطورات البحر الأحمر وباب المندب تؤثر في قرارات تتجاوز حدود اليمن، وتمتد إلى أمن الطاقة، وحركة التجارة العالمية، وحسابات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.
من ساحة نزاع إلى ورقة ضغط إقليمية
تكشف الأدبيات الحديثة أن أنصار الله الحوثيين أعادوا توظيف موقع اليمن الجغرافي بطريقة تختلف عن السنوات السابقة. فبدل التركيز على الجبهات البرية، اتجهت الجماعة إلى استثمار موقعها المطل على البحر الأحمر وباب المندب في ممارسة ضغوط اقتصادية وسياسية تتجاوز حدود النزاع اليمني.
وفي هذا السياق، اعتبر تحليل نشرته صحيفة ديلي صباح في 27 يوليو/تموز أن الجماعة نجحت في تحويل طرق التجارة إلى أداة للردع، مستفيدة من حساسية الاقتصاد العالمي لأي اضطراب يصيب حركة الملاحة.
ويرى التحليل أن هذا النهج منح الحوثيين قدرة على تحقيق مكاسب سياسية تتجاوز إمكاناتهم العسكرية، مع المحافظة على مستوى من التصعيد لا يستدعي حملة شاملة تهدد تماسكهم الداخلي.
وتنسجم هذه القراءة مع ما نشرته نيويورك تايمز في التاريخ نفسه، إذ ربطت توقيت التصعيد بازدياد اعتماد السعودية على البحر الأحمر لتصدير النفط بعد اضطرابات مضيق هرمز.
وبحسب التقرير، رأت الجماعة في هذا التحول فرصة لزيادة الضغط على الرياض والمجتمع الدولي، في ظل استمرار الجمود السياسي الذي أعقب سنوات التهدئة.
وتدعم هذه القراءة أيضًا نتائج تحليل نشرته هيئة البث الألمانية «دويتشه فيله»، الذي نقل عن خبراء أن التصعيد الحالي يبدو مدفوعًا بصورة أساسية من جانب الحوثيين، بعد تخليهم عن سياسة تجنب الانخراط في المواجهة الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران.
ووفقًا لعالمة السياسة إلهام مانع، فإن الجماعة تستثمر هذا السياق الإقليمي لإحياء ملفاتها العالقة مع السعودية، عبر زيادة الكلفة عليها وتعزيز موقعها التفاوضي.
كما أشار التحليل إلى أن الخطابات الأخيرة لزعيم الجماعة، عبد الملك الحوثي، تعكس هذا التوجه، إذ باتت تبرر التصعيد بصورة متزايدة من خلال مطالب يمنية موجهة مباشرة إلى الرياض، وفي مقدمتها إنهاء القيود المفروضة على المطارات والموانئ في المناطق الخاضعة لسيطرتهم.
وتشير تقديرات أخرى إلى أن أهمية اليمن في المعادلة الإقليمية لم تعد تُقاس بطبيعة الصراع الداخلي وحده، وإنما بقدرته على التأثير في مسارات الطاقة والتجارة الدولية. ومن هذا المنطلق، تحول البحر الأحمر إلى إحدى أدوات إعادة تشكيل موازين الردع، بينما غدا اليمن إحدى الساحات التي تتقاطع فيها المصالح الأمنية والاقتصادية للقوى الإقليمية والدولية.
التهدئة تحت ضغط الحسابات الإقليمية
تجمع غالبية الدراسات على أن السعودية تواجه معادلة أكثر تعقيدًا من تلك التي سادت خلال سنوات الحرب السابقة. فالمملكة تسعى إلى حماية استقرارها الاقتصادي ومشروعاتها التنموية، وفي الوقت نفسه تجد نفسها أمام تصعيد يطال منشآت الطاقة والملاحة، في ظل اتساع المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.
وفي هذا الإطار، رأت شبكة CNN أن الرياض أمضت الأشهر الماضية في محاولة تجنب الانجرار إلى صراع إقليمي أوسع، مع الإبقاء على قنوات التواصل مع طهران، قبل أن تجد نفسها أمام ضغوط متزامنة من اليمن والعراق وإيران.
واعتبر التحليل أن العودة إلى مواجهة مفتوحة تحمل كلفة مرتفعة، بينما قد يؤدي استمرار ضبط النفس إلى تشجيع خصوم المملكة على رفع مستوى التصعيد.
ويتوافق ذلك مع ما أوردته دويتشه فيله نقلًا عن خبراء، إذ أشار التحليل إلى أن الرياض لا تزال تعطي الأولوية للحفاظ على الاستقرار الإقليمي الضروري لتنفيذ رؤية 2030، محذرًا في الوقت نفسه من التسرع في استنتاج أن السعودية تخلت عن سياسة ضبط النفس.
ونقل التحليل عن مدير أبحاث الشرق الأوسط في منظمة أكليد، شروان هندرين، أن هامشًا لا يزال قائمًا لتفادي الانزلاق إلى حرب شاملة، مستدلًا بمرور ناقلتي نفط سعوديتين متجهتين إلى الصين عبر باب المندب في 23 يوليو دون اعتراض، بما يشير إلى استمرار وجود مساحة لخفض التصعيد.
ويخلص تحليل نشرته مجلة فن الحكم المسؤول إلى نتيجة مشابهة، لكنه يربطها مباشرة بتداخل ثلاث دوائر للصراع: الحرب اليمنية، والتنافس السعودي الإيراني، والمواجهة الأمريكية الإيرانية. ويرى أن هذه الدوائر، التي ظلت تتحرك بصورة منفصلة نسبيًا خلال الأعوام الماضية، باتت تتقاطع في وقت واحد، وهو ما يزيد من صعوبة احتواء الأزمة.
وفي السياق نفسه، رأى المستشار الأمني في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن (RUSI) مايكل ستيفنز أن التجارب السابقة بين الرياض والحوثيين تشير إلى أن أي عودة إلى الحرب ستقود إلى كلفة مالية وبشرية مرتفعة للطرفين، قبل أن تنتهي مجددًا إلى طاولة التفاوض، معتبرًا أن حسم الصراع عسكريًا ضد الحوثيين يظل احتمالًا ضعيفًا في غياب تدخل بري واسع ومكلف.
الدلالة الاستراتيجية
تشير مجمل هذه القراءات إلى أن التحول الأبرز لا يتعلق بمستوى التصعيد، وإنما بالمكانة التي يشغلها اليمن داخل الأزمة الإقليمية. فقد انتقل من ساحة تتلقى انعكاسات الصراعات المحيطة إلى عامل مؤثر في مساراتها، بعدما أصبحت تطوراته قادرة على التأثير في أمن الطاقة والملاحة وحسابات الردع بين القوى الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، أشار تحليل نشره المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) إلى أن المرحلة المقبلة من المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران قد لا تُحسم في الخليج، وإنما في اليمن، حيث يمكن أن يؤدي استهداف الممرات البحرية والبنية التحتية للطاقة إلى إعادة رسم حسابات جميع الأطراف.
ويعزز هذا التقدير ما خلصت إليه الدراسات الأخرى من أن السعودية لم تعد تواجه أزمة يمنية معزولة، وإنما بيئة إقليمية تتداخل فيها ملفات البحر الأحمر، ومضيق هرمز، والطاقة، والردع.
وتعزز التطورات الميدانية الأخيرة هذا التقدير؛ إذ أعلن الحوثيون، في 4 أغسطس، استهداف ما وصفوه بـ”هدف حساس” داخل مطار نجران بطائرة مسيّرة، في أول إعلان من نوعه منذ بداية الجولة الحالية من التصعيد. ويشير هذا التطور إلى أن المواجهة لم تعد تقتصر على استهداف الملاحة البحرية ومنشآت الطاقة، وإنما امتدت مجددًا إلى أهداف داخل العمق السعودي، بما يعكس اتساع أدوات الضغط التي تستخدمها الجماعة في سياق المواجهة الحالية.
ويعني ذلك أن أي تقدم في مسار السلام في اليمن سيتأثر بقدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على احتواء هذا التشابك، ومنع تحول اليمن إلى ساحة دائمة لإدارة الصراع الأوسع.
المؤشر الحاسم
سيتوقف اتجاه الأزمة خلال المرحلة المقبلة على ما إذا كانت الأطراف الإقليمية ستواصل التعامل مع اليمن بوصفه جزءًا من المواجهة مع إيران، أم ستنجح في إعادة فصله عن حسابات الصراع الإقليمي.
ويشير إعلان الحوثيين استهداف مطار نجران إلى أن مسار التصعيد لا يزال قابلًا للتوسع، غير أن تقديرات عدد من الخبراء الدوليين ترى أن هامش احتواء الأزمة لم يُغلق بعد، في ظل استمرار المؤشرات على رغبة الطرفين في تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة.
فإذا استمر توظيف البحر الأحمر وباب المندب والعمق السعودي ضمن معادلات الردع بين القوى الكبرى، فستتراجع فرص تثبيت التهدئة، حتى مع انخفاض وتيرة العمليات العسكرية داخل اليمن.
أما إذا استعادت الوساطات الإقليمية، وفي مقدمتها الجهود العُمانية، قدرتها على عزل الملف اليمني عن المواجهة الأوسع، فقد يفتح ذلك نافذة جديدة لإحياء المسار السياسي، ويعيد توجيه الاهتمام نحو معالجة القضايا اليمنية بدل إدراجها ضمن حسابات الردع الإقليمي.
