
الساعة 12 مساءً بتوقيت عدن
مركز أوسان | أحمد حسن
على مدى أحد عشر عاما من الحرب في اليمن، تصدرت صور الدمار والانهيار الإنساني واجهات التغطيات الإخبارية، غير أن جانبًا أقل ظهورًا ظل يلعب دورًا محوريًا في إطالة أمد النزاع، يتمثل في ما بات يُعرف بـ”اقتصاد الحرب”؛ وهو منظومة مصالح موازية نشأت وتوسعت في ظل انهيار مؤسسات الدولة، واستفادت من استمرار الفوضى وتفكك السلطة.
فالحرب في اليمن أفرزت بيئة اقتصادية كاملة قائمة على الاستفادة من غياب الدولة، ووفرت لشبكات محلية وإقليمية فرصًا واسعة لتكوين الثروة من خلال التهريب، والجبايات، والمضاربة، وتدوير الموارد العامة خارج الأطر الرسمية.
ويرى مراقبون أن هذا التحول ساهم في إنتاج طبقة جديدة من المنتفعين، ترتبط مصالحها المباشرة ببقاء حالة اللاسلم واللادولة، ما يجعل من استمرار النزاع، بالنسبة إلى بعض الفاعلين، خيارًا أكثر جدوى من أي تسوية سياسية قد تعيد ضبط الموارد ومراكز النفوذ.
اقتصاد موازٍ خارج الدولة
مع التآكل التدريجي لدور المؤسسات التنظيمية والرقابية، برزت الأسواق الموازية في مناطق مختلفة من اليمن بوصفها أحد أبرز مظاهر اقتصاد الحرب، حيث باتت السلع والخدمات الأساسية تُدار عبر شبكات غير رسمية، غالبًا ما ترتبط بمراكز نفوذ عسكرية أو أمنية أو تجارية.
وفي قطاع الوقود، تكررت على مدى السنوات الماضية أنماط من الاختناقات التموينية في المحطات الرسمية، بالتوازي مع وفرة نسبية للمشتقات النفطية في السوق السوداء بأسعار أعلى بكثير. ومن زاوية اقتصادية، فإن هذا النمط من الاختلال لا يعكس فقط عجزًا إداريًا أو خللًا لوجستيًا، بل يشير في بعض الحالات إلى وجود مصالح مستفيدة من خلق الندرة وإعادة بيع المواد الأساسية بهوامش ربح مرتفعة.
كما أدى الانقسام النقدي والمالي بين صنعاء وعدن إلى خلق بيئة خصبة للمضاربة في أسعار الصرف، وتفاوت كبير في عمولات التحويلات المالية بين مناطق السيطرة المختلفة، وهو ما عزز من دور شبكات الصرافة غير المنظمة، وأوجد قنوات مالية موازية يصعب إخضاعها للرقابة الرسمية.
وفي السياق نفسه، تحولت تجارة السلاح في اليمن إلى نشاط مربح يتجاوز حدود الجبهات العسكرية، في ظل تدفق الأسلحة ووجود مخزونات كبيرة أعادت تغذية الأسواق المحلية، وساهمت في ترسيخ اقتصاد عنيف تتداخل فيه المصالح العسكرية بالتجارية.
ولم يقتصر هذا الاقتصاد على الأسواق السوداء، مع امتداده إلى آليات جباية غير رسمية أصبحت جزءًا من الحياة اليومية في عدد من المحافظات والمنافذ البرية في البلاد.
فمع اتساع الانقسام المؤسسي، ظهرت ما يشبه “الحدود الاقتصادية” داخل البلد الواحد، حيث تُفرض رسوم متعددة على حركة البضائع بين المدن والمناطق، بما في ذلك على السلع الأساسية والأدوية، الأمر الذي ضاعف كلفة النقل والتوزيع، وانعكس مباشرة على الأسعار التي يتحملها المستهلك النهائي.
وتشير إفادات تجار وسائقي شاحنات في أكثر من محافظة تحدثوا لمركز أوسان إلى أن نقاط التفتيش والعبور تحولت، في كثير من الحالات، إلى مراكز تحصيل غير رسمية، تُفرض فيها رسوم متنوعة تحت مسميات مختلفة، من بينها “المجهود الحربي” و”رسوم تحسين” و”رسوم أمنية”، من دون أن تمر هذه العائدات عبر القنوات المالية الحكومية.
إلى جانب ذلك، يرسّخ هذا النمط من الجباية نموذجًا اقتصاديًا قائمًا على التشظي المؤسسي، حيث تتوزع مراكز التحصيل والنفوذ خارج سلطة الدولة المركزية.
تداخل النفوذ في وادي حضرموت
وفي وادي حضرموت الغني بالنفط، والخاضع لسيطرة المنطقة العسكرية الأولى، يبرز هذا التداخل بين النفوذ الأمني والمصالح الاقتصادية بصورة أكثر وضوحًا، وفقًا لإفادة مصدر عسكري تحدث لمركز أوسان شريطة عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية.
وقال المصدر إن الوجود العسكري في بعض المناطق الاستراتيجية لم يعد يُفسَّر فقط باعتبارات أمنية أو عملياتية، بل أصبح، في نظر كثيرين، مرتبطًا أيضًا بعوائد مالية مستمرة توفرها السيطرة الميدانية على خطوط الحركة والإمداد.
وأضاف أن أحد أبرز أوجه هذه العوائد يتمثل في فرض رسوم غير رسمية على حركة توريد نبتة “القات” الشهيرة عبر بعض المسارات، مشيرًا إلى أن هذه الأموال تُحصَّل، بحسب قوله، خارج الأوعية الإيرادية الرسمية، وتدر مبالغ يومية كبيرة على جهات نافذة.
كما تحدث المصدر عن ما وصفه بـ”حملات غير شرعية” تُنفذ أحيانًا تحت ذرائع أمنية، من بينها ملاحقة أسلحة أو ذخائر يُقال إنها نُهبت سابقًا من محيط مطار الريان في المكلا، عقب التغييرات التي شهدتها المنطقة في السنوات الماضية.
وبحسب المصدر، تُستخدم هذه المبررات، في بعض الحالات، كغطاء لتنفيذ عمليات مصادرة أو احتجاز لمركبات ومعدات ومواد مختلفة، قبل أن يُعاد تدوير بعضها خارج الإطار المؤسسي، سواء عبر البيع أو الاستخدام الخاص، بدلًا من توريدها إلى مخازن الدولة أو الجهات المختصة.
ولم يتسنى لمركز أوسان التحقق بشكل مستقل من جميع هذه الإفادات، إلا أن مضمونها ينسجم مع ما ورد في تقارير أممية سابقة تحدثت عن تحوّل بعض التشكيلات المسلحة في اليمن إلى مراكز نفوذ اقتصادي، تستفيد من الجبايات والسيطرة على الموارد ومسارات الحركة.
وكانت القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي قد كشفت خلال سيطرتها القصيرة على مناطق وادي حضرموت، في ديسمبر/ كانون الأول 2025، عن محطات تكرير نفط بدائية غير مرخصة وضعت جميع الأطراف – المحلية والإقليمية – أمام استحقاقات أخلاقية وسياسية وقانونية.
وتعكس المحطات البدائية المكتشفة في “الخشعة” بوادي حضرموت نمطاً من “الاستباحة الممنهجة”؛ حيث يتم سحب النفط الخام عبر حفريات وخزانات وقود مدفونة تحت الأرض، في عمليات تمويه معقدة تستفيد من الطبيعة الصحراوية الشاسعة.
شبكات مستفيدة محليًا وعبر الحدود
على المستوى المحلي، يبرز دور بعض القيادات العسكرية والأمنية، إلى جانب شبكات تجارية جديدة توسعت خلال سنوات الحرب، مستفيدة من غياب الشفافية والرقابة، ومن قدرتها على الوصول إلى المنافذ، أو العقود، أو الأسواق غير الرسمية.
أما على المستوى الإقليمي، فقد أتاح انهيار البنية المؤسسية في اليمن مجالًا أوسع لتحرك شبكات تهريب عابرة للحدود، تنشط عبر البحر العربي والقرن الأفريقي وسواحل البحر الأحمر، مستفيدة من هشاشة الرقابة على الحدود البرية والبحرية، ومن تعدد سلطات الأمر الواقع.
وفي ظل هذا الواقع، لا يبدو تعثر مساعي السلام في اليمن مرتبطًا فقط بتباين المواقف السياسية أو تعقيدات الملف الإقليمي، بل أيضًا بوجود مصالح اقتصادية واسعة قد تتضرر مباشرة من أي تسوية حقيقية تعيد توحيد المؤسسات وتفرض رقابة على الموارد.
فبالنسبة إلى المستفيدين من اقتصاد الحرب، فإن عودة الدولة تعني، عمليًا، استعادة أدوات الضبط والمساءلة، من بينها الرقابة المالية، وإغلاق قنوات الجباية غير الرسمية، وإخضاع التدفقات النقدية لقواعد الامتثال، فضلًا عن الحد من قدرة التشكيلات المسلحة أو مراكز النفوذ على التحكم في حركة التجارة والسلع.
ولهذا، يظهر أن أي اقتراب من تسوية سياسية شاملة غالبًا ما يواجه اختبارات ميدانية أو اقتصادية مفاجئة، سواء عبر أزمات معيشية، أو توترات أمنية، أو تصعيدات محدودة، في مشهد يعكس حجم التشابك بين الاقتصاد غير الرسمي واستمرار الصراع.
وفي المحصلة، يظل أي مسار جاد نحو السلام في اليمن هشًا ما لم يتعامل بصورة مباشرة مع البنية الاقتصادية التي نشأت خلال سنوات الحرب، لا باعتبارها أثرًا جانبيًا للنزاع، بل كأحد أهم محركاته الفعلية.
فاستعادة الاستقرار المفقود منذ 11 عاما تتطلب أيضًا تفكيك شبكات الجباية والتهريب والاحتكار، وإعادة إخضاع الموارد العامة والأنشطة المالية والتجارية لسلطة مؤسسية موحدة.
وفي غياب ذلك، قد تبقى فرص التسوية عرضة للانتكاس، في بلد باتت فيه الحرب، بالنسبة إلى بعض الفاعلين، أكثر من مجرد صراع على السلطة؛ إنها أيضًا منظومة ربح يصعب التخلي عنها.
مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام
