
الساعة 5:20 مساءً بتوقيت عدن
مركز أوسان | وحدة التحليل السياسي
تعكس التصريحات والتحركات المتزامنة خلال الأيام الأخيرة انتقال اليمن مجددًا إلى قلب معادلة التصعيد الإقليمي كمنصة مرتبطة بأمن البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق هرمز. فإعلان حركة أنصار الله في اليمن رفع الجاهزية العسكرية، وتأكيدها مبدأ “وحدة الساحات”، جاءا بالتوازي مع تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وتهديدات إسرائيلية مباشرة باستهداف زعيم الحركة، وردود حوثية تربط أي تصعيد جديد بالتنسيق مع طهران وبما يجري في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
وتكشف هذه الوقائع أن المشهد بات يتجه نحو ربط متزايد بين الجبهات البحرية والسياسية الممتدة من هرمز إلى باب المندب، ولم يعد محصورًا في حدود المواجهة اليمنية التقليدية.
وهذا التحول يضع عملية السلام اليمنية أمام اختبار شديد الحساسية، إذ يمكن لأي اضطراب إقليمي واسع أن يعيد ترتيب الأولويات الدولية من دعم التسوية السياسية إلى احتواء المخاطر الأمنية وحماية الملاحة والطاقة.
منطق الجبهات المتصلة
تُظهر تصريحات حركة أنصار الله خلال الأيام الأخيرة أن الحركة تسعى إلى تثبيت موقعها ضمن معادلة إقليمية أوسع، تتجاوز الداخل اليمني إلى ملفات إيران ولبنان وإسرائيل والبحر الأحمر.
فالإشادة بما وصفته بـ“انتصارات” إيران، والتأكيد على مبدأ “وحدة الساحات”، والدعوة إلى التعبئة العامة، كلها مؤشرات على خطاب تعبوي لا ينفصل عن لحظة إقليمية مضطربة تشهد تهديدات متبادلة بين طهران وتل أبيب وواشنطن.
وتزداد حساسية هذا الخطاب مع تصريحات إسرائيلية تحدثت عن احتمال استهداف زعيم الحركة إذا سنحت فرصة عملياتية. مثل هذه التهديدات تمنح الحركة مساحة إضافية لتقديم نفسها كطرف في مواجهة إقليمية مفتوحة، لا كفاعل يمني مرتبط بمسار تفاوضي محلي.
وفي المقابل، فإن ردود قيادات الحركة وتحذيراتها من أي استهداف تعزز منطق الردع المتبادل، وتزيد احتمالات انتقال التصعيد من مستوى الخطاب إلى مستوى الفعل.
ويبدو أن البعد البحري حاضر بقوة في هذه المعادلة. فحديث عبد الملك الحوثي عن مراقبة ما يجري في أرض الصومال، وربطه ذلك بمحاولات إسرائيلية مزعومة للتمركز قرب خليج عدن وباب المندب، يوسّع نطاق التهديد من البحر الأحمر إلى القرن الإفريقي.
السلام تحت ضغط الردع
تأتي هذه التطورات في وقت يحاول فيه المبعوث الأممي إلى اليمن إبقاء المسار السياسي قائمًا، من خلال لقاءات دولية تشمل ملفات التهدئة، ولجنة التنسيق العسكرية، وضمانات الاستقرار الإقليمي والأمن البحري.
غير أن تزامن هذه الجهود مع ارتفاع حدة التصعيد الإقليمي يكشف الفجوة المتنامية بين مسار دبلوماسي يحاول حماية فرص التسوية، وواقع أمني يدفع اليمن نحو إعادة التموضع داخل صراع أوسع.
ولا يقتصر الخطر على احتمال استئناف المواجهات داخل اليمن، لكنه أيضا يمتد إلى احتمال تحوّل الملف اليمني إلى ورقة في إدارة صراع المضائق.
فمع التصعيد حول هرمز، وورود تقارير عن استهداف سفينة قبالة عُمان، وتحذيرات إيرانية بشأن مسارات الملاحة، يصبح باب المندب جزءًا من معادلة ضغط متوازية. وفي حال تزامنت التوترات في هرمز والبحر الأحمر، فإن الأولوية الدولية قد تنتقل سريعًا من دعم السلام اليمني إلى حماية خطوط الطاقة والتجارة.
ويرى مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام أن أخطر ما في اللحظة الراهنة هو تآكل قدرة الوسطاء على فصل المسار اليمني عن ديناميات المواجهة الإقليمية، أكثر من مجرد التصعيد العسكري المباشر. فكلما تعزز خطاب “الجبهات المتصلة”، تراجعت فرص بناء تسوية يمنية تستند إلى احتياجات الداخل، مثل الرواتب، وفتح الطرق، وتحسين الخدمات، واستئناف العملية السياسية.
لذلك، فإن حماية فرص السلام تتطلب مقاربة مزدوجة: خفض التصعيد الإقليمي حول الممرات البحرية، ودفع الأطراف اليمنية إلى إبقاء الملفات الإنسانية والسياسية خارج حسابات الردع.
ومن دون ذلك، قد يجد اليمن نفسه مجددًا أمام معادلة خطيرة، يصبح فيها السلام رهينة لتطورات لا تبدأ من داخله، لكنها تنعكس مباشرة على مستقبله.
مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام
وحدة الدراسات والسياسات الاستراتيجية
