
لم يكن التحول الذي شهدته محافظة شبوة خلال الأعوام الأربعة الماضية مجرد انتقال في قيادة السلطة المحلية، بقدر ما مثّل اختبارًا لقدرة الإدارة على إعادة ترتيب أولويات محافظة تمتلك واحدًا من أهم الاحتياطيات النفطية والغازية في اليمن، وتتمتع بساحل طويل على البحر العربي، لكنها ظلت لسنوات تواجه تحديات أمنية وخدمية وسياسية متداخلة.
وبينما يتجدد الجدل بين الحين والآخر حول مفهومي “الشراكة” و”الإقصاء”، تمضي السلطة المحلية بقيادة المحافظ عوض محمد بن الوزير العولقي في تقديم مقاربة مختلفة، تقوم على تثبيت الاستقرار، وتعزيز حضور مؤسسات الدولة، وتوجيه الموارد نحو مشاريع تنموية وخدمية، مع السعي لإطلاق مشاريع استراتيجية يُنظر إليها باعتبارها ركيزة لمستقبل المحافظة الاقتصادي.
وتبرز هذه المقاربة في وقت تستعيد فيه شبوة حضورها في ملفات وطنية رئيسية، من بينها استئناف تصدير النفط، وتطوير البنية التحتية، وإعادة تنشيط قطاعات النقل والاستثمار، وهي ملفات جعلت المحافظة طرفًا فاعلًا في جهود التعافي الاقتصادي، بعد سنوات ارتبط فيها اسمها بالصراع على النفوذ أكثر من ارتباطه بالتنمية.
إدارة الاستقرار
تولى المحافظ بن الوزير مهامه محافظًا لشبوة في نهاية عام 2021، وهي تواجه تحديات معقدة؛ مؤسسات بحاجة إلى استعادة فاعليتها، وخدمات متعثرة، وملفات أمنية واقتصادية ألقت بظلالها على الحياة اليومية للسكان.
وفي ظل هذا الواقع، اتجهت السلطة المحلية إلى تجنب السياسات التي من شأنها تعميق الانقسام داخل الجهاز الإداري، مع التركيز على استقرار المؤسسات واستمرار عملها، بالتوازي مع تعزيز التنسيق بين الأجهزة التنفيذية والأمنية.
هذه المقاربة انعكست في إدارة ملفات المحافظة اليومية، وفي الحرص على أن يكون النقاش داخل مؤسسات الدولة مرتبطًا بالأداء والنتائج أكثر من ارتباطه بالتجاذبات السياسية.

وخلال اجتماعات المكتب التنفيذي، برئاسة المحافظ، أصبح تقييم مستوى الإنجاز، ومتابعة تنفيذ القرارات، ومراجعة مؤشرات الأداء المالي والإداري جزءًا ثابتًا من آلية العمل، بما يعكس توجهًا نحو ترسيخ الإدارة المؤسسية وآليات المتابعة والمساءلة.
وفي الاجتماع الدوري للمكتب التنفيذي، الذي عُقد في 26 تموز/ يوليو الجاري، برئاسة المحافظ، برز هذا النهج بصورة أوضح. فقد ناقش الاجتماع ملفات تتصل بالاقتصاد، والإيرادات، والثقافة، والسياحة، والآثار، إلى جانب استعراض خطط العمل للفترة المقبلة، في مؤشر على اتساع أجندة السلطة المحلية لتشمل مختلف القطاعات، وعدم اقتصارها على إدارة الملفات الخدمية التقليدية.
وشكل قرار مجلس القيادة الرئاسي استئناف تصدير النفط أحد أبرز الملفات التي تناولها الاجتماع، حيث رحب المكتب التنفيذي بالخطوة، واعتبرها مدخلًا لتعزيز التعافي الاقتصادي وتحسين الخدمات العامة، مع التشديد في الوقت ذاته على ضرورة صون الحقوق القانونية والمالية لمحافظة شبوة، وفي مقدمتها مستحقاتها من العائدات النفطية، والالتزامات المرتبطة بحماية المنشآت النفطية وتأمينها خلال السنوات الماضية.
ويعكس هذا الموقف محاولة لتحقيق توازن بين البعد الوطني للقرار، باعتباره خطوة لإعادة أحد أهم الموارد السيادية للدولة، وبين البعد المحلي الذي يربط التنمية بحقوق المحافظة في الاستفادة من مواردها، وهو طرح ظل حاضرًا في خطاب السلطة المحلية خلال السنوات الأخيرة.
كما جدد المكتب التنفيذي إدانته للهجمات الحوثية على السفن التجارية وخطوط الملاحة في البحر الأحمر، معتبرًا أنها تمثل تهديدًا مباشرًا للتجارة الدولية والاقتصاد الإقليمي، ومعلنًا دعمه للإجراءات الهادفة إلى حماية الملاحة الدولية وأمن الممرات البحرية، وهي مواقف تعكس ارتباط شبوة، بحكم موقعها الجغرافي وساحلها المطل على البحر العربي، بالتطورات الإقليمية التي تمس أمن الطاقة وحركة التجارة.
المشاريع الاستراتيجية
إلى جانب الملفات الإدارية، برزت خلال السنوات الماضية توجهات واضحة نحو الاستثمار في مشاريع ذات أثر طويل المدى، تقوم على توظيف موقع شبوة ومواردها الطبيعية في دعم الاقتصاد المحلي والوطني.

ويأتي مشروع ميناء قنا التجاري في مقدمة هذه المشاريع. وخلال اجتماع المكتب التنفيذي، استعرضت السلطة المحلية ما أُنجز من خطوات فنية وإدارية، شملت استكمال الدراسات الهندسية، والتنسيق مع وزارة النقل وهيئة موانئ البحر العربي، إلى جانب التواصل مع شركات دولية متخصصة، وصولًا إلى رفع الملف إلى مجلس الوزراء لاستكمال الإجراءات التنفيذية.
ويُنظر إلى المشروع باعتباره أحد أهم المشاريع الاستراتيجية في المحافظة، لما يمكن أن يوفره من فرص استثمارية، وقدرة على تنشيط الحركة التجارية، وتعزيز موقع شبوة كمركز لوجستي على ساحل البحر العربي.
ويتكامل هذا المشروع مع الجهود الرامية إلى إعادة تشغيل مطار عتق الدولي، بما يوسع شبكة النقل ويعزز حركة المسافرين والاستثمار، في وقت تشهد فيه المحافظة توسعًا في مشاريع الطرق والبنية الأساسية، وتحسين خدمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وهي قطاعات استحوذت على جانب مهم من برامج السلطة المحلية خلال الأعوام الأخيرة.
وفي قطاع الطاقة، مثل دخول محطة الطاقة الشمسية في شبوة الخدمة خطوة لافتة نحو تنويع مصادر الكهرباء، بالتوازي مع العمل على مشروع محطة غازية في منطقة العقلة، مستفيدة من الإمكانات النفطية والغازية للمحافظة، بما يعزز استقرار منظومة الكهرباء ويخفف الاعتماد على الوقود التقليدي.
تمويل ذاتي للمشاريع
اتجهت السلطة المحلية إلى توظيف مواردها الذاتية في تمويل مشاريع خدمية وتنموية، شملت التعليم، والحماية من السيول، والبنية التحتية، والمنشآت الحكومية، في محاولة لتقليص الفجوة بين الاحتياجات المتزايدة والإمكانات المتاحة، في ظل استمرار التحديات الاقتصادية التي تواجه الحكومة اليمنية.
وامتدت المتابعة إلى قطاعات لا تحظى غالبًا بالاهتمام ذاته في المحافظات الأخرى، إذ ناقش المكتب التنفيذي خطط تنشيط القطاع السياحي، والتحضيرات لإقامة مهرجان شبوة السياحي، إلى جانب برامج الحفاظ على الآثار والمدن التاريخية، ودعم الأنشطة الثقافية، في رؤية تعكس إدراكًا بأن التنمية لا تُختزل في الخدمات الأساسية وحدها، وإنما تشمل أيضًا الاستثمار في الهوية الثقافية والمقومات السياحية بوصفها عناصر داعمة للاقتصاد المحلي.
ولا تلغي هذه الجهود حجم التحديات التي ما تزال تواجه المحافظة، سواء على مستوى التمويل أو اتساع الرقعة الجغرافية أو متطلبات البنية التحتية، غير أن مسار العمل الذي تشهده شبوة يقدم تجربة مختلفة في إدارة الحكم المحلي، تقوم على ربط الاستقرار بالتنمية، وتعزيز دور المؤسسات، والتعامل مع الموارد باعتبارها أساسًا لبناء مشاريع مستدامة، لا مجرد أدوات لإدارة التوازنات السياسية.
وفي ظل استمرار التحولات التي تشهدها اليمن، تبدو شبوة أمام فرصة لترسيخ هذا المسار، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي وإمكاناتها الاقتصادية، ومن إدارة محلية جعلت من المشاريع، والإيرادات، والمؤسسات، عناوين رئيسية لعملها، في تجربة تسعى إلى أن تكون نموذجًا للإدارة المسؤولة في المحافظات المحررة.
