الساعة 12 مساءً بتوقيت عدن
مركز أوسان | مريم عمر

مع اتساع نطاق المواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يتزايد الاهتمام الدولي بموقع اليمن في معادلة الصراع الإقليمي، خصوصاً في ظل التوقعات المتكررة بانخراط حركة أنصار الله في اليمن في هذه المواجهة.

ورغم التصريحات التي تؤكد الجاهزية للتدخل، فإن الحركة لا تزال حتى الآن تحافظ على مسافة محسوبة من التصعيد المباشر، وهو ما يعكس تعقيد الحسابات التي تحكم قرارها السياسي والعسكري في هذه المرحلة.

من منظور مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام، فإن أهمية هذه اللحظة ترتبط أكثر بتداعياتها المحتملة على المسار السياسي الهش داخل اليمن. فالبلاد تعيش منذ سنوات حالة من “اللاحرب واللاسلم”، حيث أسهمت التهدئة التي تشكلت منذ عام 2022 في خفض مستوى العمليات العسكرية دون أن تتحول بعد إلى تسوية سياسية شاملة.

وقد أتاح هذا الوضع قدراً محدوداً من الاستقرار النسبي، سمح باستمرار قنوات التواصل الدبلوماسي والوساطة الإقليمية. غير أن اتساع الصراع في الشرق الأوسط يهدد بإعادة إدراج اليمن ضمن حسابات المواجهة الجيوسياسية، وهو ما قد يقوض التوازن الدقيق الذي حافظ على انخفاض مستوى العنف خلال السنوات الأخيرة.


تشير المعطيات الحالية إلى أن امتناع حركة أنصار الله عن الانخراط المباشر في الصراع حتى الآن يعكس ما يمكن وصفه بالتريث الاستراتيجي. فقرار المشاركة في مواجهة إقليمية واسعة لا يرتبط فقط بالاعتبارات العسكرية، بل يتأثر أيضاً بجملة من العوامل الداخلية المرتبطة بالواقع اليمني المعقد.

حسابات التريث الاستراتيجي

فعلى المستوى الداخلي، تواجه مناطق سيطرة الحركة تحديات اقتصادية وإنسانية متزايدة، في ظل استمرار التدهور المعيشي والانقسام المؤسسي في البلاد. كما تدرك القيادة في صنعاء أن أي تصعيد عسكري واسع قد يعرض البنية التحتية لضربات جديدة ويزيد من الضغوط الاقتصادية على السكان، وهو ما قد يفاقم التحديات الداخلية القائمة.

إلى جانب ذلك، لعبت التهدئة غير المعلنة مع المملكة العربية السعودية منذ عام 2022 دوراً مهماً في خفض مستوى التصعيد العسكري. وقد سمحت هذه التهدئة بفتح قنوات نقاش حول عدد من الملفات الإنسانية والاقتصادية الحيوية. وبحسب تحليل نشرته وكالة أسوشيتد برس فإن أي انخراط في مواجهة إقليمية واسعة قد يهدد هذه التفاهمات ويعيد اليمن إلى دائرة المواجهة المباشرة.

كما أن العلاقة بين الحركة وإيران، رغم أهميتها السياسية والعسكرية، لا تعني بالضرورة اندماجاً كاملاً في الاستراتيجية الإقليمية لطهران. فالحركة توازن بين اعتبارات التحالف الإقليمي ومتطلبات إدارة الواقع المحلي، وهو ما يفسر الحذر النسبي في تحديد توقيت أي تدخل محتمل.

سيناريوهات التصعيد وتأثيرها على السلام

رغم هذا التريث، فإن احتمال انخراط الحركة في الصراع الإقليمي يبقى قائماً، خصوصاً إذا اتسعت المواجهة أو إذا برزت ضغوط استراتيجية تدفع نحو فتح جبهات إضافية في المنطقة. وفي هذا السياق، يمكن تصور عدة سيناريوهات محتملة.

السيناريو الأول يتمثل في استئناف الهجمات على الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، وهو خيار يمنح الحركة قدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي نظراً للأهمية الاستراتيجية لمضيق باب المندب، أحد أهم ممرات التجارة والطاقة الدولية.

أما السيناريو الثاني فيتعلق بتوسيع نطاق العمليات لتشمل أهدافاً إقليمية مثل منشآت الطاقة أو المصالح العسكرية في المنطقة. ورغم أن هذا الخيار قد يعزز الضغط الاستراتيجي في سياق الصراع الإقليمي، فإنه يحمل مخاطر كبيرة قد تدفع نحو ردود عسكرية واسعة.

في المقابل، يبقى السيناريو الأكثر خطورة هو عودة التصعيد العسكري داخل اليمن نفسه، سواء عبر تنشيط الجبهات القائمة أو محاولة إعادة رسم موازين السيطرة على مناطق الموارد الاستراتيجية. مثل هذا التطور من شأنه أن يقوض الجهود السياسية المبذولة منذ سنوات ويعيد البلاد إلى دورة صراع مفتوح.

من منظور مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام، فإن تحييد اليمن عن ارتدادات الصراع الإقليمي يظل عاملاً حاسماً للحفاظ على فرص التسوية السياسية. فاليمن يقف اليوم أمام مفترق طرق بين استمرار التهدئة والبناء التدريجي لمسار سلام، أو العودة إلى دائرة التصعيد التي قد تجعل إنهاء النزاع أكثر صعوبة في المستقبل القريب.

المدير التنفيذي لمركز أوسان للإعلام وتحليل السلام