مشاركة المادة
تاريخ النشر: 07-08-2026
الساعة 4:26 صباحًا بتوقيت عدن

أعاد الهجوم الواسع الذي شنته جماعة (أنصار الله) الحوثيين على مواقع عسكرية في حضرموت ومأرب فتح سؤال كان مؤجلًا خلال السنوات الماضية: هل تتجه المواجهة مجددًا إلى داخل اليمن بعد أن تركز التصعيد الأخير بصورة رئيسية على البحر الأحمر والمنشآت النفطية والملاحة؟

تكمن أهمية الهجوم في اتساع نطاقه وطبيعة أهدافه وتوقيته. فقد استخدمت الجماعة، وفق بياناتها ومصادر حكومية يمنية، صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة ضد معسكرات في الرويك والعبر والثنية، بالتزامن مع استمرار تهديداتها للسعودية والملاحة، وهو ما يعكس محاولة توسيع ساحات الضغط وربط الجبهة البرية بالتصعيد الإقليمي القائم.

وتشير هذه التطورات إلى أن التهدئة التي استمرت منذ 2022 تواجه اختبارًا مختلفًا. فالخطر هذه المرة لا يرتبط بانهيار جبهة واحدة، وإنما بعودة الترابط بين جبهات الداخل اليمني، والحدود السعودية، والبحر الأحمر.

عودة الجبهة البرية إلى الحسابات

قالت قيادة العمليات المشتركة للقوات المسلحة اليمنية، يوم الخميس 6 آب/ أغسطس الجاري، إن الهجوم أسفر عن مقتل 17 جنديًا وضابطًا وإصابة آخرين، فيما نقلت مصادر صحفية عن مصادر عسكرية حصيلة أعلى من القتلى والجرحى في المعسكرات المستهدفة بصحراء حضرموت.

وأعلن المتحدث العسكري للحوثيين مسؤولية الجماعة عن الهجوم، وقال، في بيان، إنه استهدف “تحشيدات سعودية” في الرويك والعبر والثنية ومعسكرات تابعة لقوات الطوارئ. كما أكدت الجماعة استمرار معادلة “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد” ضد السعودية.

هذا الخطاب يربط العمليات داخل اليمن مباشرة بالحسابات السعودية، ويمنح الهجوم دلالة تتجاوز استهداف وحدات عسكرية يمنية. فالمواقع المستهدفة تقع على طرق صحراوية تربط حضرموت بالجوف ومأرب والحدود السعودية، وهي مناطق حساسة لحركة القوات والإمداد والأمن الحدودي.

وتزداد أهمية هذه النقطة مع إعلان مصادر صحية مقتل سعودي وإصابة آخرين في الهجوم.

التصعيد في أكثر من اتجاه

جاء الهجوم في وقت تتوسع فيه المواجهة البحرية. فقد أعلنت السعودية، في اليوم نفسه، تعيين قائد للتحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات وانضمام دول جديدة إليه، في خطوة تعكس توجّهًا نحو بناء مظلة أوسع لحماية الملاحة في البحر الأحمر.

وفي المقابل، تشير تصريحات الحوثيين إلى تعاملهم مع التحركات البرية والبحرية باعتبارها مسارًا واحدًا. وهذا يرفع احتمالات انتقال الردع من الفصل بين الجبهات إلى إدارة ضغوط متزامنة تشمل المعسكرات والمنشآت النفطية والسفن والحدود.

وتعزز هذا الاحتمال تقارير نقلها مصدر سعودي مسؤول، مساء الخميس، عن معلومات استخباراتية تتحدث عن تنسيق بين الحوثيين والحرس الثوري الإيراني وجماعات عراقية مسلحة لاستهداف المملكة.

ولم تُعرض تفاصيل مستقلة تثبت هذه التقارير، لكنها تكتسب أهميتها من توقيتها مع اتساع الهجمات الحوثية وتنامي المخاوف السعودية من تعدد مصادر التهديد.

كما أدانت السفارة الأمريكية لدى اليمن هجمات حضرموت ومأرب، بينما قالت وزارة الدفاع اليمنية إن قواتها سترد في “الزمان والمكان المناسبين”. وتفتح هذه التصريحات بابًا أمام دورة رد جديدة إذا تحولت الوعود العسكرية إلى عمليات ميدانية واسعة.

الدلالة الاستراتيجية

تكشف التطورات الأخيرة عودة الجبهة الداخلية اليمنية إلى قلب معادلة الردع الإقليمي بعد فترة هيمنت فيها جبهة البحر الأحمر على المشهد. ويتزامن ذلك مع تحرك سعودي لتوسيع المظلة البحرية الدفاعية، وتصعيد حوثي يربط عملياته البرية والبحرية والحدودية ضمن خطاب واحد.

هذا الترابط يضع عملية السلام أمام تحدٍّ أكثر تعقيدًا، لأن نجاح أي وساطة سيتطلب منع الجبهات اليمنية من التحول إلى امتداد مباشر للصراع الإقليمي. واستمرار الهجمات على حضرموت ومأرب أو الرد عليها بعمليات واسعة قد يعيد تنشيط جبهات ظلت هادئة نسبيًا، ويقوض ما تبقى من ترتيبات خفض التصعيد التي حافظت على توازن هش منذ 2022.

المؤشر الحاسم

سيتحدد مسار الأزمة وفق طبيعة الرد على هجوم حضرموت ومأرب، ومدى بقاء العمليات البرية ضمن نطاق محدود. توسع الرد العسكري الحكومي أو السعودي، أو تكرار الهجمات الحوثية على المعسكرات والمناطق الحدودية، سيشير إلى انتقال واضح من مرحلة الضغط البحري إلى مواجهة متعددة الجبهات داخل اليمن وحوله. أما احتواء الردود عبر قنوات سياسية وأمنية، مع استمرار التهدئة في الجبهات البرية، فقد يمنع تحول الهجوم الأخير إلى نقطة بداية لحرب أوسع.

مريم عمر
رئيسة مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام
الحسابات ووسائل التواصل الرسمية
مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام
Osan Center for Media and Peace Analysis