
الساعة 1:14 مساءً بتوقيت عدن
أعاد تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة طرح باب المندب بوصفه أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في النظام التجاري العالمي. فبعد سنوات تركز خلالها الاهتمام على مضيق هرمز باعتباره نقطة الاختناق الرئيسية لصادرات الطاقة، بدأت التطورات الأخيرة تكشف عن احتمال تشكل معادلة جديدة تربط أمن المضيقين ببعضهما البعض. وفي ظل التلويح الإيراني بفتح جبهات إضافية إذا استمرت الضغوط العسكرية والاقتصادية عليها، بات باب المندب جزءاً متزايد الأهمية من حسابات الردع الإقليمي.
ولا تنبع أهمية هذا التحول من المخاطر التي قد تواجه حركة التجارة العالمية فحسب، بل من انعكاساته المباشرة على اليمن. فالممر البحري الذي يشكل شرياناً حيوياً للتجارة الدولية يقع في قلب الجغرافيا اليمنية، ما يجعل أي تصعيد مرتبط به قادراً على التأثير في مسار التهدئة الهش الذي تشكل خلال السنوات الماضية. ومن هنا، لا تبدو المخاطر محصورة في احتمالات تعطيل الملاحة، وإنما تمتد إلى إعادة ربط الملف اليمني بمسارات الصراع الإقليمي بصورة أعمق من السابق.
المضائق المترابطة
تكشف التطورات الأخيرة عن تحول مهم في طبيعة التهديدات البحرية في المنطقة. فبدلاً من التعامل مع هرمز وباب المندب باعتبارهما مسرحين منفصلين، بدأت المؤشرات تدل على نشوء ما يمكن وصفه بـ”ترابط المضائق”، حيث يؤدي التصعيد في أحدهما إلى زيادة الضغوط على الآخر. وتزداد أهمية هذه المعادلة مع اعتماد دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، على مسارات تصدير بديلة عبر البحر الأحمر لتقليل الاعتماد على هرمز.
وفي حال تعرض الممران معاً لاضطرابات متزامنة، فإن التداعيات لن تقتصر على ارتفاع أسعار الطاقة أو تكاليف الشحن، بل ستشمل اضطراباً أوسع في سلاسل الإمداد العالمية. كما أن دول القرن الأفريقي ستكون من أكثر الأطراف تأثراً، نظراً لاعتمادها الكبير على حركة التجارة عبر البحر الأحمر وباب المندب لتأمين احتياجاتها الأساسية.
وتشير التجارب السابقة إلى أن الممرات البحرية الاستراتيجية لا تتحول إلى ساحات توتر بفعل المواجهات المباشرة فقط، بل أيضاً نتيجة استخدام التهديد بها كوسيلة ضغط سياسي. ولذلك فإن مجرد بقاء باب المندب ضمن حسابات الردع الإقليمي يرفع من مستوى المخاطر، حتى في غياب إغلاق فعلي للممر أو تعطيل شامل لحركة الملاحة.
السلام تحت الضغوط
بالنسبة لليمن، تتمثل المشكلة الأساسية في أن اتساع أهمية باب المندب إقليمياً ودولياً يزيد من احتمالات تداخل الحسابات المحلية مع حسابات الصراع الأوسع. فكلما ارتفعت قيمة الممر البحري في معادلات الردع، تراجعت فرص تحييد الملف اليمني عن المواجهات الجارية في المنطقة.
ومن منظور تحليل السلام، فإن الخطر لا يكمن فقط في احتمال حدوث تصعيد عسكري، وإنما في تآكل البيئة السياسية اللازمة للحفاظ على التهدئة. إذ إن أي توتر واسع في البحر الأحمر سيدفع الأطراف الإقليمية والدولية إلى إعادة ترتيب أولوياتها الأمنية، وهو ما قد يأتي على حساب الجهود الرامية إلى تحويل التهدئة الحالية إلى تسوية سياسية أكثر استدامة.
ويرى مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام أن حماية المسار السياسي في اليمن باتت ترتبط بصورة متزايدة بتحييد باب المندب عن معادلات الضغط المتبادل بين القوى الإقليمية. فكلما تحول الممر إلى أداة في صراعات أوسع، ازدادت احتمالات تراجع فرص السلام وارتفعت مخاطر إعادة تدوير الأزمة اليمنية ضمن سياقات لا تتحكم بها الأطراف المحلية وحدها.
وفي هذا السياق، لا يبدو مستقبل باب المندب مرتبطاً فقط بأمن الملاحة أو حركة التجارة، بل أيضاً بمستقبل الاستقرار في اليمن نفسه. فنجاح الجهود الدبلوماسية في احتواء التوترات الإقليمية سيمنح التهدئة فرصة للاستمرار، بينما قد يؤدي فشلها إلى إعادة وضع اليمن في قلب معادلات الصراع البحري التي تشهدها المنطقة.
مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام
