
الساعة 7:33 مساءً بتوقيت عدن
مركز اوسان |
تشير المعطيات المتزايدة حول التواصل بين الحوثيين في اليمن وحركة الشباب في الصومال إلى تطور أمني يتجاوز حدود العلاقة بين جماعتين مسلحتين، ويفتح بابًا أوسع لإعادة تقييم بنية المخاطر في البحر الأحمر وخليج عدن.
فوفق ما أورده تحليل نشرته ذا كونفرزيشن، استنادًا إلى تقارير أممية وتقديرات استخباراتية أمريكية، تتنامى مؤشرات على تبادل لوجستي وعسكري بين الطرفين، في مشهد يعكس تحولات أعمق في طبيعة الشبكات المسلحة العابرة للحدود داخل أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
ومن منظور مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام، لا تكمن أهمية هذه المؤشرات في بعدها الأمني المباشر فقط، بل في ما تكشفه من إعادة تشكل للعلاقة بين الجغرافيا البحرية والصراع المسلح. فالقرن الإفريقي والساحل اليمني لم يعودا مجرد مسرحين متجاورين للأزمات، بل يبدوان بصورة متزايدة ضمن فضاء عملياتي واحد، تتداخل فيه شبكات التهريب، وممرات السلاح، والمصالح العسكرية العابرة للحدود.
وتبرز خطورة هذا التطور في أن العلاقة المفترضة بين الحوثيين وحركة الشباب تتجاوز التناقضات الأيديولوجية التقليدية. فالتباين العقائدي بين الطرفين لا يبدو، وفق المؤشرات الحالية، عامل ردع كافيًا أمام المصالح العملياتية المشتركة.
وهذا يعكس نمطًا معروفًا في البيئات الهشة، حيث تصبح البراغماتية الأمنية والاقتصادية أكثر تأثيرًا من التمايزات الفكرية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتأمين الموارد، وتوسيع النفوذ، والحفاظ على القدرة القتالية.
وبحسب القراءة التحليلية لمركز أوسان، فإن هذا النمط يفرض تحديًا إضافيًا على جهود السلام في اليمن، لأن الأزمة اليمنية تصبح أكثر ارتباطًا بمنظومات أمنية خارج حدودها المباشرة. فكلما توسعت شبكات التهريب بين الضفتين، تقلصت قدرة الفاعلين المحليين والدوليين على التعامل مع النزاع اليمني كملف سياسي مستقل قابل للإدارة ضمن حدوده الوطنية. ويعني ذلك عمليًا أن أي اختراق في المسار السياسي اليمني سيظل معرضًا للتأثر بمتغيرات أمنية ناشئة من خارج الداخل اليمني نفسه.
كما أن البعد البحري في هذه المعادلة يضيف مستوى أكثر تعقيدًا. فالبحر الأحمر وخليج عدن يمثلان شريانًا حيويًا للتجارة والطاقة العالمية، وأي تصاعد في نشاط الجماعات المسلحة على ضفتيهما يرفع كلفة التأمين البحري، ويزيد من هشاشة حركة الملاحة، ويضاعف احتمالات تدويل الاستجابة الأمنية.
وفي هذه البيئة، لم تعد المخاطر مرتبطة فقط بهجمات مباشرة على السفن أو تعطيل الملاحة، بل أيضًا بقدرة الشبكات غير النظامية على تحويل الممرات البحرية إلى بنية دعم واستدامة للصراع.
ويرى مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام أن أخطر ما في هذا المشهد يتمثل في انتقال التهديد من “مسرح نزاع محلي” إلى “منظومة عدم استقرار إقليمية مترابطة”. فحين تصبح الضفة اليمنية والضفة الصومالية جزءًا من شبكة عملياتية واحدة، تتراجع الحدود التقليدية بين الأمن المحلي والإقليمي، وتتعقد قدرة الوسطاء على عزل الملفات السياسية عن الارتدادات الأمنية الأوسع.
وفي ضوء ذلك، فإن التحدي لم يعد يقتصر على الحد من تدفق السلاح أو مراقبة الممرات البحرية، بل يشمل منع تشكل بيئة إقليمية تسمح للجماعات المسلحة بإعادة إنتاج نفسها عبر البحر. ومن منظور تحليل السلام، فإن استقرار اليمن لن يكون مرتبطًا فقط بتفاهمات الداخل، بل أيضًا بمدى القدرة على احتواء هذه الشبكات العابرة للحدود، ومنع تحول البحر الأحمر من ممر للتجارة العالمية إلى مساحة مفتوحة لإعادة تدوير الصراع.
وتخلص القراءة إلى أن أي مقاربة واقعية للسلام في اليمن والبحر الأحمر باتت تتطلب التعامل مع الساحلين اليمني والصومالي ضمن إطار أمني وسياسي متكامل؛ لأن استمرار الفصل بين الأزمتين لم يعد يعكس طبيعة التهديد القائم، ولا ينسجم مع التحولات المتسارعة في معادلة الأمن البحري الإقليمي.
مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام
وحدة الدراسات والسياسات الاستراتيجية
