
مركز أوسان | أحمد حسن
دخلت التهدئة اليمنية مرحلة أكثر تصدعا وهشاشة بعد انتقال أزمة الرحلات الإيرانية إلى صنعاء من خلاف سياسي وسيادي إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين جماعة الحوثيين والسعودية. فاستهداف مدرج مطار صنعاء قبيل وصول طائرة إيرانية، ثم إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه جنوب المملكة، أنهيا عمليًا هامش الغموض الذي حافظ على خفض التصعيد منذ عام 2022.
وفي الوقت نفسه، كشفت التطورات أن الملفات الإنسانية والملاحية باتت تُستخدم داخل معادلة ضغط أوسع تتداخل فيها السيادة الوطنية، والارتباطات الإقليمية، وأمن المجال الجوي، وحسابات الردع عبر الحدود.
وتأتي هذه المواجهة في سياق إقليمي لم تستقر فيه تفاهمات الولايات المتحدة وإيران بعد، رغم نجاحها المؤقت في تخفيف حدة الحرب. فالقضايا الأساسية، من البرنامج النووي والعقوبات إلى أمن هرمز وشبكات النفوذ، ما تزال مفتوحة. ومع عودة التوتر إلى اليمن، يتأكد أن التهدئة المحلية لا تستطيع الصمود طويلًا إذا بقيت مرتبطة بمسارات إقليمية متقلبة لا تملك الأطراف اليمنية السيطرة عليها.
سيادة معلقة بالنفوذ
أعادت الرحلات الإيرانية إلى صنعاء تعريف الخلاف حول المطار. فبعد أن كان الملف مرتبطًا بحرية السفر واحتياجات المرضى والعالقين، أصبح موضع نزاع على من يملك حق إدارة المجال الجوي اليمني وتحديد طبيعة الرحلات والجهات المشغلة لها.
الحكومة اليمنية قدّمت منع الطائرة الإيرانية باعتباره إجراءً لحماية السيادة ومنع مسار جوي خارج مؤسسات الدولة، بينما اعتبرت جماعة الحوثيين استهداف المدرج امتدادًا للحصار وإنهاءً لمرحلة خفض التصعيد.

هذا التباين يكشف غياب إطار متفق عليه لإدارة المرافق السيادية في ظل الانقسام. فالمطار، شأنه شأن الموانئ والطرق والموارد، لم يعد منشأة خدمية محايدة، وإنما تحول إلى مساحة تتقاطع فيها الاعتبارات الإنسانية والأمنية والسياسية.
كما أن تحويل الرحلة إلى مواجهة عسكرية أظهر محدودية الترتيبات غير المكتوبة التي حكمت العلاقة بين السعودية والحوثيين خلال الأعوام الماضية. تلك الترتيبات خففت العمليات العابرة للحدود، لكنها لم تنتج قواعد واضحة تمنع الاحتكاك عند ظهور ملفات جديدة.
ويزيد الموقف الأمريكي المعلن، وفق تقارير صحفية، من حساسية المشهد، لأنه يربط التحرك العسكري السعودي بمخاوف من نقل أسلحة وخبراء إلى صنعاء.
وأشارت المنصة الأمريكية إلى أن الرياض أبلغت واشنطن مسبقاً بالتحرك العسكري وطلبت دعماً أمريكياً قبل قصف مطار صنعاء.
ومع أن هذه المزاعم تحتاج إلى أدلة علنية، فإن تداولها يعزز تدويل الملف ويضع أزمة المطار ضمن سياق أوسع يتعلق بإيران وأمن المنطقة، لا ضمن خلاف يمني يمكن احتواؤه عبر ترتيبات فنية.
التهدئة أمام الانهيار
الهجوم الحوثي على أهداف في جنوب السعودية، وما رافقه من تهديدات باستهداف منشآت اقتصادية ونفطية، ينقل الأزمة إلى مستوى مختلف. فالمواجهة لم تعد تدور حول رحلة أو مدرج، وإنما حول قواعد الاشتباك التي أبقت الحدود هادئة نسبيًا منذ عام 2022.
وكانت قد نقلت منصة “أكسيوس” الأمريكية عن مسؤولين أمريكيين أن الرئيس دونالد ترامب منح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان دعمه لتنفيذ ضربات عسكرية “عالية المخاطر” ضد الحوثيين في اليمن.
وإذا استمر التصعيد، فقد تعود الأولويات سريعًا من دعم العملية السياسية إلى حماية المنشآت والمطارات والمجال الجوي، وهو ما سيقلص المساحة المتاحة للوساطة الأممية.
كما يتزامن التوتر مع تعثر ملفات إنسانية حساسة، أبرزها تبادل المحتجزين وتشغيل مطار صنعاء. وقد أظهرت التطورات أن ربط عودة الوفود والرحلات الجوية بتفاهمات الأسرى يضاعف هشاشة المسار التفاوضي، لأن كل ملف يصبح أداة ضغط على الآخر. وعند هذه النقطة، تتراجع فرص بناء الثقة، وتصبح الإجراءات الإنسانية رهينة للحسابات العسكرية والسيادية.
ويرى مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام أن الأولوية الآن يجب أن تتركز على منع ترسخ دورة رد ورد مضاد. ويتطلب ذلك وقف الاستهدافات العابرة للحدود، ووضع آلية محايدة وشفافة لتنظيم الرحلات من مطار صنعاء، مع ضمان استخدامه للأغراض المدنية وعدم تحويله إلى قناة نفوذ عسكري أو سياسي. كما ينبغي فصل ملف المحتجزين عن الخلافات المتعلقة بالمطار، والحفاظ على قنوات الاتصال السعودية-الحوثية والأممية.
إن بقاء الأزمة دون احتواء سيجعل اليمن مرة أخرى ساحة لتصفية حسابات إقليمية، ويبدد سنوات من خفض التصعيد دون أن يقرّب البلاد من السلام. أما إعادة الملفات السيادية والإنسانية إلى طاولة تفاوض واضحة، فقد تمنح الأطراف فرصة لوقف الانحدار نحو مواجهة يصعب ضبط حدودها.
