مركز أوسان | عبد الله الشادلي

تشهد البيئة الأمنية في الشرق الأوسط تحولات متسارعة تعكس انتقال العديد من الصراعات من نمط المواجهات التقليدية إلى أنماط أكثر تعقيدًا تقوم على إطالة أمد النزاع ورفع كلفته السياسية والاقتصادية. وفي هذا السياق، يتأثر اليمن بصورة مباشرة بهذه التحولات، نظرًا لموقعه الجيوسياسي الحساس عند تقاطع البحر الأحمر وخليج عدن، وكذلك لارتباط النزاع المحلي فيه بشبكات أوسع من التفاعلات الإقليمية.

يرى مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام أن فهم ديناميكيات الاستنزاف الإقليمي بات عنصرًا ضروريًا لتقييم مستقبل التهدئة في اليمن، خصوصًا في ظل تزايد استخدام أدوات عسكرية منخفضة الكلفة نسبيًا، مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، والتي أصبحت أحد أبرز ملامح الصراعات المعاصرة في المنطقة.

ديناميكيات الاستنزاف في الصراعات الإقليمية

تعكس العديد من المواجهات الجارية في الشرق الأوسط توجهًا متزايدًا نحو ما يمكن وصفه بـ”اقتصاديات الاستنزاف”، حيث تسعى الأطراف المتنافسة إلى إضعاف خصومها تدريجيًا عبر عمليات عسكرية محدودة لكنها متكررة، بدلاً من السعي إلى حسم سريع للصراع. ويسهم هذا النمط في تقليل المخاطر السياسية المرتبطة بالحروب الشاملة، لكنه في المقابل يطيل أمد التوترات ويزيد من كلفتها التراكمية، كما أشار تحليل لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) بعنوان “استراتيجية إيران الحربية عالية المخاطر.. رهانٌ على الصمود والردع”.

ويظهر هذا الاتجاه بوضوح في الاستخدام المكثف للتقنيات العسكرية منخفضة الكلفة مقارنة بالأنظمة الدفاعية التقليدية، ما يخلق معادلة غير متكافئة في الكلفة العسكرية. وفي ظل هذه المعادلة، تصبح القدرة على الاستمرار في الصراع عاملاً حاسمًا لا يقل أهمية عن القدرة على تحقيق نصر عسكري مباشر.

وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة بالنسبة لليمن، حيث أن استمرار الاستقطاب الإقليمي قد يدفع بعض الأطراف المحلية إلى تبني أنماط مشابهة من المواجهة، وهو ما قد يعرقل جهود التعافي الاقتصادي ويؤخر فرص إعادة الإعمار.

أمن الملاحة والممرات البحرية

يشكل موقع اليمن على أحد أهم الممرات البحرية العالمية عاملاً إضافيًا يعقّد البيئة الاستراتيجية المحيطة بالنزاع. فمضيق باب المندب يمثل نقطة عبور حيوية للتجارة الدولية وإمدادات الطاقة، ما يجعل أي توترات أمنية في محيطه محل اهتمام مباشر من القوى الإقليمية والدولية.

وتشير التجارب خلال السنوات الماضية إلى أن الممرات البحرية غالبًا ما تتحول في سياقات التوتر الإقليمي إلى أدوات ضغط سياسية أو عسكرية. إلا أن استمرار هذا النمط من التفاعلات يحمل مخاطر كبيرة على الاستقرار الاقتصادي والأمني في المنطقة، كما قد يؤدي إلى زيادة الضغوط الإنسانية داخل اليمن، في ظل ارتباط جزء كبير من الإمدادات الغذائية والتجارية بالملاحة البحرية. من هذا المنطلق، تبرز أهمية تعزيز الجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى حماية أمن الملاحة وضمان تحييد هذه الممرات الحيوية عن حسابات التصعيد السياسي والعسكري.

تحديات السيطرة وإدارة التصعيد

من السمات البارزة في العديد من النزاعات المعاصرة تزايد تعقيد هياكل القيادة والسيطرة لدى بعض الفاعلين المسلحين، خصوصًا في الحالات التي تتداخل فيها الاعتبارات المحلية مع الحسابات الإقليمية. وفي مثل هذه البيئات، قد تؤدي الأخطاء الميدانية أو سوء التقدير إلى تصعيد غير مقصود يتجاوز حدود النزاع الأصلي.

بالنسبة لليمن، يمثل الحفاظ على قنوات الاتصال وآليات مراقبة وقف إطلاق النار عنصرًا أساسيًا في الحد من مخاطر التصعيد المفاجئ. وقد أظهرت التجارب السابقة أن غياب التنسيق أو ضعف آليات الرقابة يمكن أن يؤدي إلى انهيار سريع للتفاهمات السياسية، حتى في الفترات التي تبدو فيها مستويات العنف منخفضة نسبيًا.

لذلك، فإن تعزيز آليات بناء الثقة بين الأطراف المحلية، بدعم من الفاعلين الإقليميين والدوليين، يظل شرطًا مهمًا للحفاظ على الاستقرار النسبي الذي تحقق خلال فترات التهدئة.

آفاق السلام في ظل البيئة الإقليمية

تشير المعطيات الحالية إلى أن مستقبل السلام في اليمن سيظل مرتبطًا بدرجة كبيرة بطبيعة التفاعلات الإقليمية الأوسع. فكلما ارتفعت مستويات التوتر بين القوى الإقليمية، ازدادت احتمالات انعكاس ذلك على الساحة اليمنية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

في المقابل، يمكن أن يساهم أي توجه نحو خفض التصعيد الإقليمي في خلق مساحة أوسع لدعم المسار السياسي اليمني. ويشمل ذلك تعزيز الجهود الدبلوماسية، ودعم المبادرات الإنسانية، وتوفير بيئة أكثر استقرارًا تسمح بإعادة تنشيط المفاوضات السياسية بين الأطراف اليمنية.

ويرى مركز أوسان أن حماية فرص السلام في اليمن تتطلب في المرحلة الراهنة مقاربة مزدوجة تجمع بين دعم الحوار اليمني–اليمني من جهة، والعمل على تحييد الملف اليمني قدر الإمكان عن التنافسات الإقليمية من جهة أخرى.

إن تحقيق تقدم مستدام في مسار التسوية لن يعتمد فقط على التفاهمات الداخلية، بل سيتأثر أيضًا بقدرة المجتمع الدولي والفاعلين الإقليميين على إدارة التوترات في المنطقة بطريقة تقلل من مخاطر انتقالها إلى الساحة اليمنية. وفي هذا الإطار، يبقى السلام في اليمن جزءًا من معادلة أوسع تتعلق باستقرار البحر الأحمر وأمن الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.

رئيس ومؤسس مركز أوسان
صحفي وباحث في الشأن السياسي اليمني