“لا زلت أتذكر نفور الناس من مجالستي، واشمئزازهم من احتساء الشاي من نفس الفنجان من بعدي، ولا زلت أتذكر تماما عندما كنت أقول لأمي سأريحك من عناء هذه الدنيا عندما أكبر” بهذه العبارات يصف أبو محمد معاناته في صغره وفقره في عنفوان شبابه.
تبدأ قصة أبو محمد ذو الستة عقود ونيف، منذ الوهلة الأولى التي أبصر فيها الدنيا، ووجد زوجة أبيه تقاسم والدته المنزل وتحرضه على الزج بهم بعيدا عنه ولا منزل لهم سواه.
يقول أبو محمد: “عندما تزوج والدي على أمي، بدأت تتعقد الحياة، وتزداد صعوبة، ولم أجد مكانا ألجأ إليه غير الانخراط في السلك العسكري”.
وبسبب أنه كان شابا لا يتحاوز الـ18 عشر عاما، كانت مسألة قبوله كجندي، ليست بالأمر السهل، ويضيف أبو محمد أنه تواصل ببعض المقربين لمساعدته ليتم قبوله.
تغير ايجابي في الحياة
كان قبول أبو محمد في العسكرية محورا أساسيا في بداية تغير حياته نحو الأفضل، واستطاع خلال سنوات قليلة أن يبني دارا صغيرة من الطين تأوي أمه من بطش أبيه، إلا أن لعنة نعته بالجنون بسبب فقره ظلت تلاحقه من أعز أقربائه.
أبو محمد ذلك الشاب المجتهد في حياته، يؤكد أنه تعرض لظلم الأقارب الذين أطلقوا عليه وصف “المجنون”، ويشير أبو محمد إلى أنه كان يعز عليه أن يدخل مجالس أعمامه خشية أن ينعت بهذا الوصف.
قرار الزواج
شعر أبو محمد بالعزله لأنه كان وحيدا مع أمه في داره، وتولدت لديه فكرة الزواج لكسر هذا الشعور البائس، لكنه لا يملك من الحياة إلا مرتبه الزهيد، فتوجه صوب محافظة شبوة شرقي البلاد، لينخرط في سوق البناء والأعمال العضلية لمدة ثلاثة أشهر عله يجمع صداق الزواج.
ويقول أبو محمد أنه اضطر لشغل عمل يقوم به ثلاثة أشخاص، وكسب تعاطف المقاول عندما أخبره بظروفه الصعبة وسمح له بذلك، وجمع خلال هذه الفترة مبلغا ما كان ليحلم ان يجمعه من مرتبه في عام كامل، إلا أنه عاد منهكا إلى قريته ولم يخبرهم برحلته.
ويستطرد أبو محمد بنبرة يكتسيها الخجل: “توقعتهم بيفصلوني من العسكرية لأني تغيبت ثلاثة شهور، لكني قلت لهم اني كنت مريض وتعبان، وبصراحة كان شكلي يبان عليه التعب والمرض، فتعاطفوا معاي ورجعوني، ولمن خبرت القايد بالقصة الحقيقية بعد ما راح الي كانوا موجودين، وجه بصرف مرتب الفترة الي تغيبتها وهي ثلاثة شهور، وفرحت كثير بهذا التصرف وقال لي القائد المرتب مش علشانك، لكن علشان نجي نتعشى في زواجك”.
ويتابع أبو محمد، أنه توجه إلى منزل عمه لطلب يد ابنته، لكنه صدم أن المهر كان ضعف المهور المتعارف عليها في القرية بالرغم من معرفة عمه بوضعه الحالي ، وأن تكاليف الزواج هو من ستحملها لا أبيه.
ولم يثني أبو محمد جشع عمه، وأبدى استعداده بدفع كلما يلزم في سبيل الدخول إلى عش الزوجية وملئ داره بالأطفال ليكونوا سندا له ولوالدته العجوز، لا سيما أنه وحيدها.
دكرى موجعة
كانت فرحة أبو محمد ليلة زواجه غامرة، كيف لا وهو ذلك الشاب الفقير الذي استطاع جمع التكاليف من عرق جبينه دون ما أي مساعدة من أبيه أو أقربائه، لكن المحزن في الأمر أن والده رفض حضور العرس، وتحولت ليلة زفاف أبو محمد إلى جحيم وذكرى مؤلمة صلت له ما تبقى من فرح وليلة قاتمة يصفها بأنها “جرح يحز في القلب”…
