خارت قوى الأم الخمسينية سلوى، بعد نصف قرنٍ من الصمود في وجه حياةٍ ومعاناةٍ، كابدتها طيلة سنين عمرها.
تُعيدها الذكريات إلى ماضي طفولتها، حين فُرض عليها مواجهة الصعاب ونظرة المجتمع، منذ نعومة أظافرها، وهي لم تتجاوز عقدًا ونيف من عمرها.
تتذكر الأم الخمسينية سلوى أنها كانت فتاةً في الخامسة عشر ربيعاً، عصفت بها رياح الظروف، وكلما حاولت أن تخطو خطوة نحو الأمام يعتريها شعور غريب وكأن الجميع سيقوم بمعاقبتها ولومها وربما نعتها بالحقيرة، الفقيرة، المشؤومة!.
والسبب أنها تزوجت خمسة رجال، ترك لها آخرهم طفلاً في أحشائها بعد رحيله، دون أن يُبقي لهما شيئاً يُقيهما من جور الحياة وظلم الناس.
فكيف يمكن لسلوى التي لم تكمل تعليمها أن تجابه الحياة وتكون أماً وحيدة في ظل ظروف حرب يمر بها وطنها المكلوم؟
أمٌ في الخامسة عشر
تروي الأم الخمسينية سلوى قصتها وتكاد تُبكيها الذكريات المؤلمة التي لم تجد لها فرصة جيدة لتخرجها من جوفها، تقول: “لحسن الحظ أن عائلتي كانت إلى جانبي في تلك الظروف، ولم تتركني وحيدة، ولا أحد غير الربّ يعلم حجم المعاناة النفسية التي مررت بها”.
وتضيف سلوى: “في الوقت ذاته أنجبت طفلاً بحجم ذراع اليد، أثلج قلبي وجوده بين أحضاني من حرقة المعاناة وجور الأيام، علّه يكون سنداً لي في كبري وأنا في سن الـ 16 من عمري”.
مواجهة الحياة
بعد ارتزاقها هدية السماء، بدأت سلوى بعمل الحلويات وبيعها للناس لتعول طفلها الذي أنجبته من زوجها الخامس بعد وفاته، واستطاعت الحصول على قطعة ارض وبنائها من خلال بيع مجوهراتها من الذهب الذي كانت تحوزه، وبدأت تواجه الحياة كامراة مكافحة لم تمد يدها لأحد ولم تخضع لليأس، رغم فقرها وحاجتها الشديدة لمساعدة الايادي البيضاء.
من هنا بدأت معاناة أمٍ وحيدة لم تكمل تعليمها، تربية طفلٍ رضيع ليصبح شاباً قوياً خلوقاً قادرًا على رد شيء من الجميل لوالدته التي نذرت حياتها لأجله.
وعملت سلوى جاهدة في أماكن كثيرة كالمصانع، وتقوم بصنع الحلويات من أجل قوت العيش؛ وليتسنى لابنها الوحيد إكمال تعليمه الجامعي.
صدمة رد الجميل
بعد بلوغ ابنها سن الرشد، ظنت سلوى بأنها ستنال حصتها من الحياة وستنهال عليها الراحة وأن ابنها الوحيد سيريحها من عناء الحياة، وسيتحصل على عمل جيد؛ لكن دون أن يتحقق أي من ذلك.
واستمرت سلوى تعمل حتى عند انضمام ابنها الى الجيش في عام 2017، حيث أن الدخل الشهري تحسن إلى 60 ألف ريال فقط؛ إلا أن مشكلة تأخير الرواتب لأشهرٍ، بسبب الظروف السياسية في اليمن حالت دون أن يتحسن مستواهم المعيشي.
أمنيات التغيير
يزيد عمر الأم الخمسينية سلوى الآن عن خمسين عاماً، ولا تزال تصنع حلويات مختلفة وتبيعها للناس، وما زالت تمارس مهاماً يفترض أن تُعفى منها وتتقاعد، إلا أنها، كما تبدو، متمسكة بحبل الأمل في أن يتحسن حالها.
واليوم تتمنى سلوى أن يتحسن حال البلاد -التي أنهكتها الصراعات المتلاحقة- وأن يتغير حالها نحو الأفضل ولو قليلا، لترتاح في ما تبقى من عمرها، متمنيةً: “إن حصل ذلك فسينصفني القدر وسأنسى كل ما حل بي من معاناة”.
