
لم يعد التصعيد في اليمن يُقاس بعدد الغارات أو الهجمات البحرية، بقدر ما أصبح يُقاس بحجم الكلفة التي يفرضها كل طرف على خصومه من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. فالتطورات الأخيرة في البحر الأحمر، وما رافقها من اضطراب في حركة شحن النفط، وإغلاق مصفاة جازان السعودية مؤقتًا بحسب مذكرة اطلعت عليها رويترز، وتحويل بعض الناقلات مساراتها نحو موانئ بديلة وفق بلومبرغ، تعكس تحولًا في طبيعة الصراع من سباق على تحقيق مكاسب ميدانية إلى إدارة محسوبة لكلفة التصعيد.
ويكشف هذا التحول أن الأطراف الرئيسية لم تعد تتعامل مع الحرب باعتبارها خيارًا للحسم، وإنما كأداة للضغط ضمن حدود تمنع الانفجار الكامل. فكل خطوة هجومية أصبحت تُحسب بميزان آثارها الاقتصادية والسياسية، فيما بات الحفاظ على خطوط الردع وعدم تجاوزها جزءًا من إدارة الأزمة نفسها. وهذا الواقع يضع عملية السلام أمام تحدٍ مختلف، لأن استمرار هذا النمط قد يمنع اندلاع حرب واسعة، لكنه لا يوفر في المقابل الظروف اللازمة لإنهاء أسباب النزاع.
الردع بالكلفة بدلًا من الحسم
تشير القراءات الصادرة عن عدد من مراكز التحليل ووسائل الإعلام الدولية إلى أن جماعة (أنصار الله) الحوثيين أعادت توجيه أدوات المواجهة نحو الاقتصاد أكثر من الجبهة العسكرية.
فقد اعتبر تحليل نشرته صحيفة ديلي صباح أن الجماعة تمكنت من إعادة تشكيل ميزان القوة عبر استهداف طرق التجارة وفرض ضغوط على صادرات النفط، بدلًا من الانخراط في مواجهة تقليدية مع خصومها، بما سمح لها بتحقيق تأثير يتجاوز قدراتها العسكرية المباشرة.
وتستند هذه المقاربة إلى فرض كلفة اقتصادية متصاعدة مع تجنب الوصول إلى مستوى يستدعي ردًا واسعًا قد يهدد تماسك الجماعة أو سيطرتها الميدانية. وفي المقابل، تجد السعودية ودول الخليج نفسها أمام معادلة معاكسة؛ إذ إن أي تصعيد كبير قد ينعكس على بيئة الاستثمار وخطط التنويع الاقتصادي، وهو ما يجعل خيار ضبط النفس جزءًا من حساباتها الأمنية، وليس مجرد موقف سياسي.
وتعزز التطورات الأخيرة هذه القراءة. فقد أفادت وكالة رويترز، الثلاثاء 28 تموز/ يوليو، بأن شركة أرامكو أوقفت تشغيل مصفاة جازان، البالغة طاقتها نحو 400 ألف برميل يوميًا، عقب الهجوم الأخير، بينما أشارت بلومبرغ إلى توجه ناقلات لتحميل النفط السعودي من ميناء سيدي كرير المصري، بالتزامن مع تراجع حركة الشحن في مركز التصدير السعودي على البحر الأحمر.
وفي الوقت نفسه، استمرت ناقلات تحمل النفط الروسي، إلى جانب سفن صينية وأخرى مرتبطة بإيران، في عبور باب المندب، بما يعكس أن الاضطراب لم يتحول إلى إغلاق شامل للممر، بل إلى بيئة تفرض تكاليف ومخاطر متفاوتة على حركة التجارة الدولية.
بين الردع والتسوية
تعكس هذه المعادلة أن جميع الأطراف أصبحت تتحرك داخل هوامش دقيقة يفرضها ميزان الكلفة، وليس ميزان القوة وحده. فقد أوضحت نيويورك تايمز أن الحوثيين اختاروا توقيت التصعيد بعد أن ازداد اعتماد السعودية على البحر الأحمر لتصدير النفط نتيجة الاضطرابات التي طالت مضيق هرمز، معتبرة أن الجماعة رأت في هذا التحول فرصة للضغط على الرياض وتعزيز موقعها التفاوضي، سواء فيما يتعلق بالقيود المفروضة على المناطق الخاضعة لسيطرتها أو بمستقبل الموارد النفطية في اليمن.
وفي المقابل، تشير الصحيفة إلى أن الرياض تتعامل مع الأزمة بحذر، إدراكًا منها أن أي مواجهة واسعة قد تحمل كلفة اقتصادية وأمنية مرتفعة، في وقت تمضي فيه بخطط تستند إلى الاستقرار وجذب الاستثمارات. غير أن هذا التريث يخلق بدوره معضلة معاكسة، إذ قد يُفسَّر من قبل الحوثيين على أنه تراجع في مستوى الردع، بما يشجع على مواصلة الضغط ورفع سقف المطالب.
ويضيف الموقف الأمريكي بعدًا آخر لهذه المعادلة. فبينما لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برد عسكري كبير إذا استمرت الهجمات على ناقلات النفط السعودية، نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤول في الإدارة الأمريكية أن واشنطن تفضّل تمكين حلفائها من قيادة الأمن الإقليمي، مع الإبقاء على خيار التسوية الدبلوماسية في اليمن.
ويعكس ذلك رغبة في احتواء الأزمة دون الانخراط في مواجهة جديدة قد تتداخل مع ملفات إقليمية أكثر اتساعًا.
ولا يعني هذا التوازن أن المنطقة تتجه نحو الاستقرار، بل إلى نمط مختلف من الصراع، تصبح فيه الضغوط الاقتصادية والملاحة والطاقة أدوات لإدارة النزاع بدلًا من حسمه. فكل طرف يحاول تعظيم مكاسبه من دون تجاوز الخطوط التي قد تستدعي ردًا يصعب احتواؤه، وهو ما يفسر استمرار حالة التصعيد المتقطع بالتوازي مع غياب أي تقدم ملموس في العملية السياسية.
ومن هذا المنظور، فإن نجاح أي مسار سياسي مستقبلي لن يرتبط بوقف العمليات العسكرية وحده، بل بقدرته على تقليص الحوافز التي تجعل الاقتصاد والملاحة والطاقة أدوات ضغط متبادلة. فكلما بقيت كلفة التصعيد وسيلة لتحقيق المكاسب، ستظل فرص السلام معرضة للتعثر مع كل تغير في موازين الإقليم، حتى وإن تجنبت الأطراف الانزلاق إلى حرب شاملة.
