
الساعة 6:24 مساءً بتوقيت عدن
تواجه عملية السلام في اليمن لحظة شديدة الحساسية، بعدما انتقلت التطورات الأخيرة من تهدئة هشة تسمح ببقاء قنوات الاتصال مفتوحة إلى بيئة أمنية تتقدم فيها حسابات الردع وحماية الملاحة والطاقة على أولويات التسوية السياسية. فقد أدت الهجمات المنسوبة إلى جماعة (أنصار الله) الحوثيين ضد ناقلات سعودية، والتهديدات الأمريكية بالرد على إيران، والمواقف الأوروبية الداعية إلى حماية البحر الأحمر، إلى توسيع دائرة الأطراف المتأثرة بالنزاع، وهو ما يضيّق المساحة المتاحة أمام الوساطة الأممية.
هذه التطورات، لا تعني أن فرص السلام انتهت، لكنها تغير طبيعة العوائق المحيطة بها. فالمفاوضات التي كانت تركز على الرواتب والمطارات والموانئ والأسرى أصبحت مهددة بالاندماج في ملفات الأمن البحري وأسواق النفط والتنافس الأمريكي الإيراني.
وكلما زاد ارتباط المسار اليمني بهذه الملفات، تراجعت قدرة الأطراف المحلية والوسطاء على ترتيب تسوية تنطلق من احتياجات اليمنيين، وارتفعت احتمالات خضوعها لحسابات إقليمية أوسع.
تآكل مساحة الوساطة
أدان الاتحاد الأوروبي، يوم الخميس 23 تموز/ يوليو الجاري، تهديدات الحوثيين بفرض حصار على السعودية، وطالب الجماعة بالتوقف عن تعريض السفن والبحارة للخطر، مؤكدًا استمرار مهمة «أسبيدس» في حماية حرية الملاحة.
ويكشف هذا الموقف انتقال التعامل الدولي مع الأزمة من دعم الوساطة السياسية إلى تعزيز إجراءات الردع البحري، حتى وإن استمرت الدعوات الرسمية إلى خفض التصعيد.
ويمثل هذا التحول تحديًا مباشرًا لصناعة السلام. فانتشار المهام البحرية وارتفاع احتمالات الضربات المضادة يضيفان أطرافًا عسكرية جديدة إلى النزاع، ويفرضان أولويات أمنية قد تتقدم على الملفات الإنسانية والاقتصادية.
كما أن القرارات الدولية الخاصة بحماية السفن تمنح المجتمع الدولي إطارًا للتحرك ضد الهجمات، من دون أن توفر في المقابل مسارًا موازيًا لمعالجة جذور التصعيد داخل اليمن. وقد مدد مجلس الأمن مؤخرًا آلية الإبلاغ عن الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر، ما يعكس استمرار مركزية الأمن البحري في مقاربته للملف.
وتزداد المشكلة تعقيدًا مع تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتحميل إيران مسؤولية أي هجمات حوثية جديدة. فهذا الخطاب ينقل المواجهة من علاقة متوترة بين الحوثيين والسعودية إلى معادلة إقليمية قد يصبح اليمن أحد ميادينها.
وعندما تتحول الجماعة في التصور الأمريكي إلى امتداد مباشر لطهران، تتقلص فرص التعامل معها كطرف يمني يمكن احتواء سلوكه عبر ترتيبات سياسية وضمانات اقتصادية.
السلام تحت التدويل
نقلت وكالة «رويترز»، عن مجموعة مصادر من ضمنها مصدرين إيرانيين ،الخميس، أن إيران أرسلت خلال تموز/ يوليو قادة ومستشارين من الحرس الثوري ومعدات صاروخية وطائرات مسيّرة إلى مناطق الحوثيين، إضافة إلى ذهب لتمويل أنشطتهم.
وإذا تأكدت هذه الرواية، فإنها ستزيد صعوبة الفصل بين المطالب اليمنية التي تطرحها الجماعة وبين المصالح العسكرية الإيرانية، كما ستمنح خصومها مبررًا أوسع لربط أي تسوية بضمانات تتعلق بنفوذ طهران.
وفي الوقت نفسه، أدى استهداف الناقلات إلى ارتفاع أسعار النفط، فيما أشارت «رويترز» إلى تحركات سعودية لتوفير شحنات إضافية عبر ميناء سيدي كرير المصري.
وتوضح هذه التداعيات كيف يمكن لهجوم محدود في البحر الأحمر أن يرفع كلفة النزاع عالميًا، ويدفع القوى الكبرى إلى التدخل لحماية الأسواق، مع اهتمام أقل ببناء مؤسسات يمنية قادرة على إدارة السلام.
ويرى مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام أن نافذة السلام تضيق عندما تتحول الملفات الإنسانية إلى أدوات تفاوض عسكري، وتصبح الملاحة والطاقة أساسًا لتحديد مستوى الاستجابة الدولية. ولا يزال احتواء الأزمة ممكنًا، لكنه يتطلب إعادة الفصل بين المسار اليمني وصراعات المنطقة، وربط التهدئة البحرية بخطوات متبادلة تشمل الرواتب وحرية الحركة والأسرى وإدارة الموارد.
وتظل الأولوية أمام الوسطاء هي منع انقسام الملف إلى مسارين منفصلين: مسار أمني تديره القوى الدولية، ومسار سياسي ضعيف يفتقر إلى أدوات التأثير. فنجاح حماية السفن مع فشل حماية عملية السلام قد يحد من الخطر الإقليمي مؤقتًا، لكنه يترك اليمن أمام نزاع مؤجل وقابل للانفجار من جديد.
