مشاركة المادة

مركز أوسان | مريم عمر

رغم التصعيد العسكري المتسارع بين السعودية وجماعة (أنصار الله) الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة، لا تزال مؤشرات الحرب الشاملة غائبة حتى الآن. فقد انتقلت المواجهة من أزمة الرحلات الجوية إلى استهداف الملاحة وناقلات النفط، بالتوازي مع عودة الاشتباكات البرية في بعض الجبهات، إلا أن هذا الاتساع لم يؤدِّ إلى انهيار كامل لمسار التهدئة الذي تشكل منذ عام 2022. ويعكس ذلك وجود توازن دقيق بين الرغبة في رفع كلفة الصراع، وبين الحرص على تجنب مواجهة يصعب التحكم في تداعياتها.

المزيد: النفط والسلام: كيف يعيد التصعيد رسم الحسابات في اليمن؟

وتكشف التطورات الأخيرة أن أطراف الأزمة تسعى إلى تعزيز مواقعها التفاوضية أكثر من سعيها إلى حسم الصراع عسكريًا. ففي حين يستخدم الحوثيون أدوات ضغط تتجاوز الجغرافيا اليمنية، تبدو السعودية حريصة على حماية مصالحها الاستراتيجية من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، بينما تواصل الأمم المتحدة وشركاء دوليون الدفع نحو احتواء التصعيد. ويجعل هذا التداخل بين الردع والتفاوض من المرحلة الحالية واحدة من أكثر مراحل النزاع تعقيدًا منذ انتهاء الهدنة الأممية.

رفع الكلفة دون الحسم

أعلنت جماعة الحوثيين، فجر الخميس 23 تموز/ يوليو الجاري، استهداف ناقلتي النفط السعوديتين ENCELIA وLAYLA في البحر الأحمر، مدعية إصابتهما، بينما أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بتعرض ناقلة لمقذوف مجهول، من دون تحديد هويتها أو الجهة المسؤولة. كما تزامن ذلك مع هجوم على جبهات الضالع، قالت القوات الجنوبية إنه أدى إلى مقتل أربعة من أفرادها وإصابة عشرة آخرين، مؤكدة صد الهجوم ومقتل أربعة من عناصر الجماعة.

ويشير هذا التزامن إلى أن الجماعة تحاول توسيع أدوات الضغط عبر البحر والبر معًا، بما يرفع كلفة المواجهة على خصومها، من دون الانتقال إلى عمليات واسعة قد تستدعي ردًا إقليميًا أكبر. ويأتي ذلك بعد أيام من إعلانها حظر الملاحة إلى الموانئ السعودية، في خطوة أعادت البحر الأحمر إلى واجهة الأزمة اليمنية.

وفي هذا السياق، يرى تحليل نشره موقع كاليبر المتخصص في الشؤون الإقليمية والعسكرية أن الحوثيين يمتلكون القدرة على تهديد الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بما قد يؤثر في حركة التجارة وأسواق الطاقة إذا اتسع نطاق الهجمات. لكنه يشير، في الوقت نفسه، إلى أن تحويل هذه التهديدات إلى حملة مستدامة يظل مرتبطًا بقدرات الجماعة العسكرية، وبحجم الرد المتوقع من السعودية وشركائها.

توازنات تؤجل الحرب

ورغم تصاعد الخطاب العسكري، لا تبدو جميع الأطراف مستعدة لخوض مواجهة مفتوحة. فالتحليل نفسه يلفت إلى أن الحوثيين يواجهون قيودًا داخلية لا تقل أهمية عن التحديات العسكرية، إذ لا يسيطرون على معظم موارد النفط والغاز، كما يواجهون ضغوطًا اقتصادية واجتماعية، في وقت لا تزال فيه مناطق واسعة من اليمن خارج سيطرتهم.

وفي المقابل، تدرك السعودية أن أي تصعيد واسع قد ينعكس على أمن الطاقة والاستقرار الإقليمي، ويهدد الجهود السياسية التي بُذلت خلال الأعوام الماضية. لذلك، تبدو معادلة الرد الحالية قائمة على احتواء الهجمات ومنع تحولها إلى أزمة إقليمية أوسع، مع الإبقاء على خيارات الرد العسكري إذا تعرضت المصالح الاستراتيجية لتهديد مباشر.

كما أن ارتباط القدرات العسكرية للحوثيين بالدعم الإيراني يضيف بُعدًا آخر إلى المشهد. فكلما تصاعد التوتر بين طهران وواشنطن، ارتفعت احتمالات استخدام الساحة اليمنية كورقة ضغط إضافية. وفي المقابل، قد تدفع أي تسوية إقليمية إلى خفض وتيرة التصعيد، بما يعيد الأولوية للمسار التفاوضي.

ويرى مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام أن أخطر ما يميز المرحلة الحالية ليس اتساع رقعة التصعيد، وإنما تزايد استخدامه بوصفه أداة لإعادة رسم موازين التفاوض. وهذا يعني أن احتمالات الحرب الشاملة لا تزال مقيدة باعتبارات داخلية وإقليمية، لكنها تبقى قائمة إذا اختل هذا التوازن أو تجاوزت الهجمات حدود الضغط المحسوب. ومن ثم، فإن مستقبل السلام في اليمن لن يتحدد بحجم العمليات العسكرية وحدها، بل بقدرة الوسطاء على منع تحول الردع المتبادل إلى نقطة انهيار للعملية السياسية.

رئيسة مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام