
الساعة 8:52 صباحاً بتوقيت عدن
أعادت التطورات الأخيرة المرتبطة بمطار صنعاء والهجمات الحوثية على السعودية رسم ملامح الدور السعودي في اليمن، بعد مرحلة اتسمت بمحاولات خفض التصعيد والانخراط في مسارات سياسية واقتصادية أكثر من اعتماد المقاربة العسكرية.
ويشير هذا التحول إلى أن التوازن الذي سعت الرياض إلى ترسيخه خلال السنوات الماضية يواجه اختباراً معقداً، في ظل تداخل الاعتبارات اليمنية مع تصاعد التوترات الإقليمية.
كما أن انتقال الخلاف حول تشغيل مطار صنعاء من نطاق الإجراءات السياسية والقانونية إلى المواجهة العسكرية المباشرة يعكس هشاشة التهدئة التي استمرت بصورة غير معلنة منذ عام 2022.
وبينما تؤكد الحكومة اليمنية أن استهداف مدرج المطار جاء لمنع ما وصفته بانتهاك السيادة اليمنية، تتهم جماعة الحوثيين السعودية بالمسؤولية عن القصف وتعتبره نهاية لمرحلة خفض التصعيد، في حين تشير تقارير إعلامية أمريكية إلى وجود تنسيق سعودي-أمريكي سبق الضربة، وهي معلومات لم تصدر بشأنها تأكيدات رسمية من جميع الأطراف المعنية.
التوازن تحت الضغط
مثّل الانفتاح السعودي على الوساطة ودعم الاستقرار الاقتصادي خلال الأعوام الماضية ركيزة أساسية في مقاربة تهدف إلى تقليل كلفة الصراع وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للتسوية. غير أن التطورات الأخيرة توضح أن هذه المقاربة أصبحت أكثر عرضة للاهتزاز عندما تتقاطع مع ملفات ترتبط بالأمن الإقليمي والعلاقة مع إيران.
فبحسب الرواية الحكومية، جاء استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية اعتُبر وصولها خارج الأطر القانونية، بينما ترى جماعة الحوثيين أن الضربة تمثل خرقاً للتفاهمات القائمة وتبرر الرد العسكري.
وفي المقابل، نقل موقع “أكسيوس” عن مسؤولين أمريكيين أن الرياض أبلغت واشنطن مسبقاً بخطوتها وطلبت دعماً سياسياً، كما نقل عن مسؤول أمريكي مزاعم بشأن حمل الطائرة الإيرانية معدات عسكرية وخبراء، وهي ادعاءات لم تُثبت بصورة مستقلة.
وتكشف هذه التطورات أن ملف مطار صنعاء لم يعد يقتصر على حرية الحركة أو الرحلات الإنسانية، وإنما تحول إلى نقطة تماس بين اعتبارات السيادة اليمنية، والهواجس الأمنية السعودية، والنفوذ الإيراني.
كما أن التهديدات الحوثية باستهداف منشآت اقتصادية ومطارات داخل المملكة ترفع مستوى المخاطر، لأنها تعيد الصراع إلى نمط الضربات العابرة للحدود الذي تراجع بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية.
انعكاسات السلام اليمني
لا تقتصر أهمية التصعيد الحالي على بعده العسكري، وإنما تمتد إلى مستقبل عملية السلام في اليمن. فقد ظل انخفاض مستوى المواجهة المباشرة بين السعودية والحوثيين أحد العوامل التي وفرت هامشاً للتحركات الأممية والاتصالات السياسية، رغم تعثر التوصل إلى اتفاق شامل. أما اليوم، فإن عودة الضربات المتبادلة قد تضيق هذا الهامش إذا تحولت إلى دورة تصعيد مفتوحة.
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن القضية تتجاوز حادثة المطار بحد ذاتها، إذ ترتبط بتنافس أوسع حول طبيعة النفوذ الإقليمي داخل اليمن، وبحدود العلاقة بين المسارات الإنسانية والاعتبارات الأمنية.
كما أن أي توسع للمواجهة ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد اليمني، وحرية الملاحة، وثقة المستثمرين، وجهود استعادة الخدمات العامة، فضلاً عن تأثيره المحتمل على عمل الوسطاء الدوليين.
ويرى مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام أن أهمية التطورات الأخيرة لا تكمن فقط في حجم التصعيد، وإنما في احتمال إعادة تشكيل قواعد الاشتباك التي استقرت نسبياً منذ عام 2022. وإذا استمرت الأطراف في التعامل مع ملف مطار صنعاء باعتباره ساحة لإثبات موازين القوى، فقد يصبح هذا الملف مدخلاً لتعطيل مسارات التهدئة بدلاً من أن يكون جزءاً من إجراءات بناء الثقة.
وفي المقابل، فإن احتواء الأزمة عبر قنوات الوساطة، مع الفصل بين الاعتبارات الإنسانية والأمنية، قد يحافظ على الحد الأدنى من فرص السلام في اليمن، ويمنع انزلاق الملف مجدداً إلى مواجهة إقليمية أوسع يصعب احتواء تداعياتها.
