
الساعة 5:41 صباحاً بتوقيت عدن
مركز أوسان | حنان صالح
حين فتحت المرأة الباب، ظنت الشابة اليمنية “شادن” (24 عاماً) أنها أخطأت العنوان. كانت تحمل بفتور ظرفاً أصفر ورقياً مضى عليه 12 عاماً، بينما كانت المرأة التي أمامها تحمل طفلاً رضيعاً وتنظر إليها باستغراب وتوجس.
تراجعت شادن خطوة إلى الوراء، ونظرت إلى والدتها الستينية التي كانت تقف إلى جوارها منهكة، متكئة على عصا خشبية صغيرة بعد رحلة سفر برية شاقة امتدت لأيام عبر المنافذ الحدودية. وقبل أن تنطق شادن باسم الرجل الذي قطعت تلك المسافات الطويلة لرؤيته، ظهر الأب من خلف الباب.
تصف شادن تلك اللحظة لمركز أوسان قائلة: “في تلك الثانية توقف الزمن تماماً. لم يكن الرجل المنهك الذي كان يبكي في مكالماته المتقطعة ويشكو ضيق الحال والديون. كان يقف داخل شقة أنيقة، إلى جوار زوجة جديدة، وطفل لم نكن نعرف بوجوده في الحياة”.
لقد تحول الظرف الأصفر الذي ظنته الفتاة مفتاحاً للم الشمل، إلى شاهد صامت على خذلان ممتد.
بريق الذهب ومرارة الغياب
بدأت الحكاية قبل سنوات، حين غادر والد شادن اليمن متوجهاً إلى إحدى دول الخليج بحثاً عن فرصة عمل هرباً من الظروف المعيشية المتدهورة. كانت شادن حينها في السادسة من عمرها.
في السنوات الأولى، كان الأب يعود في الإجازات السنوية محملاً بالهدايا، وفي إحدى زياراته اشترى لطلفلته قطعاً ذهبية صغيرة كمدخرات للمستقبل.
لكن الغربة، كما تروي الأم لمركز أوسان، بدأت تأكل دفء الأسرة شيئاً فشيئاً. صارت الزيارات تتباعد حتى انقطعت تماماً، وتأخرت الحوالات المالية، وباتت المكالمات الهاتفية مجرد أعذار مكررة عن “أزمات العمل والديون”.
تتابع الأم بمرارة: “كنت أدافع عنه أمام طفلتي، وأقول لها إن الغربة قاسية وتغير الطباع. لكن الأمراض داهمتني لاحقاً، واحتجت إلى فحوصات وعلاجات مكلفة، ولم نجد منه سوى الصد والاعتذار، حتى اضطررنا لبيع الأثاث والانتقال إلى منزل صغير جداً في أطراف المدينة”.
الرسالة المنسية
في غمرة تفتيشها بين المقتنيات القديمة لتدبير مصاريف علاج والدتها، عثرت شادن في درج خشبي قديم على رسالة خطية كتبها والدها قبل 12 عاماً، ومذيلة بعبارة: “إلى شادن.. لا تفتحيه إلا عندما تكبرين”.
قرأت الفتاة كلمات مؤثرة لأب يشبه ذلك الذي كان يملأ بيتها ضحكاً في الطفولة، حيث كتب لها حينها: “لم أغادر لأنني أردت الابتعاد عنكما، بل لأحمي بيتنا.. إن كبرتِ قبل أن أعود، فتذكري أن البعد لا ينقص من محبتي لكِ”.
تقول شادن لمركز أوسان: “بكيت تلك الليلة طويلاً وشعرت بالذنب لأنني ظلمت أبي في سري. قررت أن أفاجئه بزيارته دون ترتيب. باعت أمي ما تبقى لها من حلي قديمة، وبعتُ القطع الذهبية والمجوهرات التي أهداني إياها في طفولتي، بالكاد كفانا الثمن تذكرتي سفر ورحلة برية شاقة على أمل الشفاء النفسي والجسدي”.
المواجهة الأخيرة
لم تكن شادن تعلم أن قصتها تعكس ظاهرة إنسانية مؤلمة تكررت في صفوف آلاف الأسر اليمنية التي تسببت سنوات الاغتراب الطويلة وانقطاع السبل في تشظيها، حيث يصنع بعض الآباء حيوات بديلة كلياً، مسقطين عائلاتهم الأولى من حساباتهم.
عند عتبة ذلك الباب المغلق في بلاد الاغتراب، تهاوت كل السيناريوهات التي رسمتها الفتاة لطريق العودة. وقف الأب مرتبكاً، عاجزاً عن التبرير أمام ملامح ابنته التي كبرت بعيداً عنه، وزوجته المريضة التي أنهكها التنقل بين المستشفيات.
لم تصرخ شادن، ولم تعاتب. أخرجت الظرف الأصفر من حقيبتها ومدته إليه. نظر الأب إلى خط يده القديم، ثم قال بصوت مكسور: “سامحيني يا شادن”.
اكتفت الفتاة بهز رأسها ببطء، وقالت وهي تضع الرسالة في يده: “احتفظ بها.. يبدو أن الرجل الذي كتبها لم يعد موجوداً في هذه الحياة”.
غادرت شادن ووالدتها دون دموع. تختم شادن شهادتها لمركز أوسان بالقول: “شعرت أن شيئاً بداخلي انكسر، لكن شيئاً آخر تحرر. لم نعد ننتظر عودته. بعض الحقائق تؤلم حين تصل، لكنها تنقذ أصحابها من انتظار لا نهاية له”.
مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام
