
الساعة 6:15 مساءً بتوقيت عدن
مركز أوسان
«بعد أن نجحت شبوة خلال السنوات الماضية في الحفاظ على حدّ مهم من الاستقرار الأمني والاجتماعي، برز سؤال آخر لا يقل أهمية: كيف يمكن تحويل هذا الاستقرار إلى مشاريع وخدمات ملموسة؟»
حين تولى عوض محمد بن الوزير العولقي منصب محافظ شبوة في أواخر ديسمبر 2021، كانت المحافظة تقف أمام معادلة صعبة: موارد نفطية وغازية وموقع استراتيجي من جهة، واحتياجات خدمية واسعة وبنية تحتية محدودة من جهة أخرى. ومع أن شبوة تُعد من المحافظات المهمة اقتصاديًا في اليمن، فإن هذا الموقع لم يكن ينعكس دائمًا على مستوى الخدمات التي يحصل عليها المواطنون، خصوصًا في الكهرباء والمياه والصحة والطرق.
خلال السنوات الماضية، بدا أن السلطة المحلية في شبوة تحاول نقل المحافظة من إدارة الأزمات المتكررة إلى بناء مسار تنموي أكثر وضوحًا. وقد ارتبط هذا المسار بقاعدة أساسية: لا مشاريع بلا استقرار، ولا استقرار دائم بلا خدمات ملموسة. من هنا، جاءت أهمية التحولات التي شهدتها المحافظة في قطاع الطاقة والمشاريع الخدمية، لأنها لم تكن مجرد تدخلات منفصلة، وإنما محاولة لتحويل الاستقرار النسبي إلى نتائج عملية تمس حياة المواطنين.
تكتسب هذه التجربة أهميتها من طبيعة شبوة نفسها. فهي محافظة غنية بالموارد، لكنها تعاني من فجوات خدمية عميقة. وهي محافظة واسعة وممتدة جغرافيًا، ما يجعل إيصال الخدمات إلى مديرياتها تحديًا مستمرًا. كما أن موقعها بين مأرب وحضرموت وأبين، وامتدادها الساحلي على بحر العرب، يضعها في قلب معادلة اقتصادية وأمنية تتجاوز حدودها المحلية. لذلك، فإن أي تحسن في بنيتها الخدمية لا يخدم سكانها فقط، وإنما يعزز موقعها في شبكة الاستقرار جنوبًا وشرقًا.
الطاقة بوابة التنمية
يمثل قطاع الكهرباء أبرز واجهات التحول في شبوة خلال عهد المحافظ بن الوزير. فالمحافظة التي عانت طويلًا من ضعف الخدمة وانقطاع التيار بدأت خلال السنوات الأخيرة تتحرك باتجاه مشاريع ذات طبيعة استراتيجية، في مقدمتها محطة شبوة الشمسية بقدرة 53 ميجاوات.
أهمية هذا المشروع لا تتوقف عند كونه محطة كهرباء. فهو يعكس انتقالًا من سياسة المعالجات المؤقتة إلى الاستثمار في الطاقة المتجددة، كما يضع شبوة ضمن المحافظات التي بدأت إدخال حلول أكثر استدامة في قطاع حيوي. وقد جاء المشروع بدعم من دولة الإمارات، ضمن تدخلات تنموية متعددة في المحافظة، فيما تمثلت القيمة الأهم في قدرة السلطة المحلية على تحويل هذا الدعم إلى أصل خدمي ملموس يمكن أن ينعكس على المواطنين والقطاع التجاري والخدمات العامة.
وتكتسب محطة شبوة الشمسية أهميتها من طبيعة أزمة الكهرباء في اليمن عمومًا، وفي المحافظات الجنوبية خصوصًا. فالاعتماد المستمر على الوقود يجعل خدمة الكهرباء عرضة للتعثر عند كل أزمة تموين أو ارتفاع في الكلفة. أما الاستثمار في الطاقة الشمسية فيفتح مسارًا مختلفًا، يخفف الضغط على المنظومة التقليدية، ويمنح المحافظة فرصة لبناء استقرار خدمي طويل الأمد.
إلى جانب المحطة الشمسية، أعلن المحافظ في 31 مايو بدء تنفيذ محطة كهرباء غازية في منطقة العقلة بقدرة إنتاجية تبلغ 53 ميجاوات وبتمويل ذاتي، مع جدول زمني لإنجازها خلال ثمانية أشهر.
وتكمن أهمية هذه المحطة في أنها تستند إلى ميزة شبوة الطبيعية كمحافظة نفطية وغازية، وتفتح الباب أمام توظيف الموارد المحلية في معالجة أزمة الكهرباء. وسيشكل هذا المشروع إضافة نوعية لمنظومة الطاقة في المحافظة، ويمنحها قدرة أكبر على مواجهة ذروة الطلب خلال الصيف.
كما تمخض عن جهود السلطة المحلية بشبوة استئناف الإنتاج في قطاع العقلة النفطي في 4 يونيو بهدف تأمين الوقود اللازم لتشغيل محطة الرئيس الكهربائية في عدن.

مؤشر استقرار وتحسّن الخدمات
لم تقتصر جهود السلطة المحلية على الكهرباء. ففي 4 يونيو، صادق المحافظ عوض بن الوزير على تنفيذ خمسة مشاريع تنموية وخدمية في المحافظة، أبرزها إنشاء محطة لشركة النفط اليمنية بتكلفة 526 ألف دولار بتمويل ذاتي، إلى جانب مشاريع للبنية التحتية والتعليم والحماية من السيول والمرافق الحكومية، بإجمالي تمويل محلي يتجاوز 238 مليون ريال.
تكتسب هذه الخطوة أهميتها من أنها تعكس توجهًا نحو تفعيل التمويل المحلي وعدم انتظار الدعم الخارجي في كل الملفات. فالمحافظات التي تمتلك موارد، مثل شبوة، تحتاج إلى إدارة قادرة على تحويل جزء من هذه الموارد إلى مشاريع مباشرة. وهذا ما يمنح السلطة المحلية مساحة أوسع للحركة، خصوصًا في ظل ضعف الحكومة المركزية وتراجع قدرتها على تمويل المشاريع في المحافظات.
وفي قطاع المياه، شهدت شبوة تدخلات شملت حفر وصيانة آبار، وتأهيل منشآت مائية، وإنشاء شبكات وخزانات في عدد من المديريات، بعضها بدعم إماراتي. وتأتي أهمية هذا الملف من ارتباطه المباشر بالاستقرار السكاني، خصوصًا في مناطق تعاني من شح المياه وتزايد الطلب على الخدمات الأساسية. فالمياه ليست خدمة يومية فقط، وإنما عامل استقرار اجتماعي في محافظة واسعة ذات احتياجات متراكمة.
وفي القطاع الصحي، برز مشروع مركز علاج الأورام في شبوة بتمويل إماراتي، بوصفه واحدًا من المشاريع النوعية التي تتجاوز الخدمة اليومية إلى بناء قدرة علاجية متخصصة داخل المحافظة. فوجود مركز كهذا يخفف معاناة المرضى الذين كانوا يضطرون للسفر إلى محافظات أخرى بحثًا عن العلاج، ويمثل مؤشرًا على انتقال بعض المشاريع من الطابع الإسعافي إلى الطابع المؤسسي. كما تلقى قطاع الصحة دعمًا من جهات أخرى، بينها مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، خاصة في خدمات غسيل الكلى ومستلزماتها.
وفي البنية التحتية، مثّلت إعادة تشغيل مطار عتق الدولي خطوة مهمة على مستوى ربط المحافظة بمحيطها. فالمطار لا يختصر المسافات على المواطنين فقط، وإنما يفتح نافذة للحركة الاقتصادية والإنسانية والتنموية، ويساعد على حضور المنظمات والوفود والاستثمارات. كما شهدت المحافظة مشاريع في الطرق والتحسينات الحضرية، بينها تدخلات محلية وأخرى مدعومة من البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، خاصة في مسارات الطرق والخدمات المرتبطة بها.

تكشف هذه المشاريع أن شبوة بدأت تتحرك في اتجاه بناء قاعدة تنموية أكثر اتساعًا. فالكهرباء، والمياه، والصحة، والطرق، والمطار، ومشاريع شركة النفط، ليست ملفات منفصلة عن بعضها، وإنما حلقات في مسار واحد يستهدف تحويل الاستقرار إلى مكاسب ملموسة. وحين تتراكم هذه المشاريع، تصبح المحافظة أكثر قدرة على جذب الاستثمارات، وتحسين الخدمات، وتخفيف الضغط الاجتماعي.
لا تزال التحديات قائمة. فالكهرباء تحتاج إلى استكمال مشاريعها، والخدمات العامة تتطلب استدامة في التمويل والإدارة، والموارد المحلية تحتاج إلى كفاءة أكبر في التوجيه. ومع ذلك، فإن ما تحقق خلال السنوات الماضية يشير إلى أن شبوة بدأت تخرج تدريجيًا من دائرة الموارد المعطلة إلى مسار المشاريع القابلة للبناء عليها.
في محافظة مثل شبوة، لا تكفي السيطرة الأمنية وحدها لصناعة الاستقرار. فكل محطة كهرباء، وكل مشروع مياه، وكل تدخل صحي، وكل طريق يجري تحسينه، يمثل جزءًا من بناء الثقة بين المجتمع والسلطة المحلية.
ومن هذه الزاوية، تبدو شبوة اليوم أمام فرصة للانتقال من محافظة عُرفت طويلًا بالتجاذب والثأر والموارد المعطلة، إلى مساحة تستثمر استقرارها في التنمية، وتقدم نموذجًا محليًا قابلًا للتطوير في بيئة يمنية شديدة التعقيد.
مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام
