
الساعة 6:13 مساءً بتوقيت عدن
مركز أوسان | أحمد حسن
أعاد اغتيال الصحفي محمد العيضة، مراسل قناتي “العربية” و”الحدث” في مدينة المكلا، طرح أسئلة واسعة بشأن البيئة الأمنية في ساحل حضرموت، في وقت تُعد فيه المحافظة واحدة من أكثر المناطق أهمية في معادلة الاستقرار شرق اليمن.
فالعملية التي نُفذت بعبوة ناسفة زُرعت في سيارة صحفي معروف، لا تبدو مجرد حادث أمني عابر، بقدر ما تمثل اختبارًا لقدرة السلطات المحلية على حماية المجال المدني، ومنع عودة أنماط العنف المنظم إلى مدينة ظلت منذ عام 2016 مرتبطة بصورة نسبية من الأمن مقارنة بمناطق يمنية أخرى.
وقُتل العيضة يوم 24 يونيو، إثر انفجار استهدف سيارته في المكلا، عاصمة محافظة حضرموت. وأفادت معلومات أولية حينها بسقوط ضحية، قبل أن تؤكد قناة “العربية” لاحقًا مقتل مراسلها.
وانتشرت أجهزة الأمن والبحث الجنائي في موقع الانفجار عقب الحادث، فيما بدأت السلطات المحلية تحقيقات أولية لتحديد ملابساته والجهات التي تقف وراءه.
وفي اليوم التالي، قالت أجهزة أمن ساحل حضرموت إن التحقيقات أظهرت أن الانفجار نجم عن عبوة ناسفة محلية الصنع زُرعت أسفل مقعد السائق وفُجرت عن بُعد. وأضافت أنها جمعت “أدلة وقرائن مهمة”، وقطعت شوطًا في تتبع خيوط القضية، مؤكدة أنها ستواصل ملاحقة المتورطين.
بعد أمني معقد
تمنح طريقة التنفيذ الحادثة بعدًا أمنيًا أكثر تعقيدًا. فزرع عبوة داخل سيارة الضحية وتفجيرها عن بعد يشير إلى عملية رصد واختيار مسبق للهدف، وليس إلى انفجار عشوائي أو حادث عرضي. كما أن استهداف صحفي يعمل لصالح مؤسستين إعلاميتين إقليميتين بارزتين يضع القضية في مساحة تتجاوز الجريمة الجنائية، باتجاه اختبار أوسع لحماية الصحفيين والفاعلين المدنيين في بيئة يمنية لا تزال شديدة الهشاشة.
وزاد من حساسية القضية ما قاله مراسل “العربية” ردفان الدبيس، إن إدارة أمن المكلا كانت قد أبلغت العيضة قبل نحو شهر بوجود تهديدات متكررة ضده، وطالبته بمغادرة المحافظة. ورغم أن هذه المعلومة ما تزال بحاجة إلى تثبيت ضمن مسار التحقيق، فإنها تفتح سؤالًا مهمًا حول آليات التعامل مع التهديدات السابقة، ومدى قدرة المؤسسات الأمنية على الانتقال من التحذير إلى الوقاية والحماية.
رسمياً، وجّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بتشكيل لجنة تحقيق عليا في اغتيال العيضة، مؤكدًا أن السلطات لن تدخر جهدًا في ملاحقة المنفذين ومن يقف وراءهم، مع ضمان رعاية أسرة الفقيد. كما وجّه محافظ حضرموت، مبخوت بن ماضي، عبر وكيل المحافظة لشؤون الساحل والهضبة، بتحقيق عاجل وملاحقة المتورطين.
وفي السياق ذاته، قال وزير الخارجية اليمني شائع الزنداني إن استهداف الصحفيين يمثل اعتداءً على قيم المجتمع وحرية الإعلام وسيادة القانون، في موقف يعكس إدراك الحكومة لحساسية الجريمة، خصوصًا أنها طالت صحفيًا يعمل في محافظة ذات أهمية سياسية وأمنية واقتصادية.
سياسيًا، أدان المجلس الانتقالي الجنوبي العملية، ووصفها بأنها “إرهابية”. وقال المتحدث باسم المجلس، أنور التميمي، إن استهداف العيضة يؤشر إلى أن المكلا وساحل حضرموت باتا مسرحًا للجماعات المتطرفة. وأشار المجلس إلى أن حضرموت شهدت تحسنًا أمنيًا بعد تحرير المكلا من تنظيم القاعدة عام 2016 وانتشار قوات النخبة الحضرمية، معتبرًا أن أي تدهور أمني جديد في الساحل يمثل تهديدًا مباشرًا لمكتسبات تلك المرحلة.
ومع أن التحقيقات لم تعلن بعد الجهة المسؤولة عن الاغتيال، فإن الحادثة تأتي في سياق محلي يتسم بتنافس سياسي وأمني معقد داخل حضرموت، حيث تتداخل حسابات السلطة المحلية، والقوى العسكرية والأمنية، والتجاذبات بين الأطراف اليمنية، إلى جانب الذاكرة القريبة لسيطرة تنظيم القاعدة على المكلا قبل تحريرها في 2016. ويجعل ذلك أي عملية اغتيال نوعية داخل المدينة ذات تداعيات تتجاوز الضحية، لأنها قد تتحول سريعًا إلى مؤشر على تغير في ميزان الأمن المحلي أو إلى مادة جديدة في الاستقطاب السياسي.
إدانات واسعة
دوليًا، أثار اغتيال العيضة إدانات واسعة. فقد دعت السفارة الأمريكية في اليمن إلى محاسبة الجناة، فيما أدان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الحادثة، مؤكدًا ضرورة تمكين الصحفيين من أداء عملهم دون خوف. كما دعا الاتحاد الأوروبي إلى تحقيق فوري وشفاف ومحاسبة المسؤولين، بينما اعتبر المنسق الأممي في اليمن، لوران بوكيرا، أن استهداف الصحفيين يمثل اعتداءً على الحقيقة وحرية التعبير.
وتعكس هذه المواقف الدولية أن القضية لا تتعلق بحماية صحفي واحد فقط، بل بمدى قدرة السلطات اليمنية والمحلية على الحفاظ على الحد الأدنى من البيئة الآمنة للعمل الإعلامي والمدني. ففي بلد يعيش مرحلة لا حرب شاملة ولا سلام مكتمل، يصبح استهداف الصحفيين مؤشرًا خطيرًا على ضيق المجال العام، وتراجع الثقة، وارتفاع كلفة نقل المعلومات من مناطق النزاع والهشاشة.
وبالنسبة لمركز أوسان للإعلام وتحليل السلام، فإن اغتيال العيضة يسلط الضوء على هشاشة السلام المحلي في المناطق التي تبدو مستقرة نسبيًا. فاستقرار حضرموت لا يرتبط فقط بغياب المواجهات العسكرية، بل بقدرة مؤسسات الأمن والقضاء على حماية المدنيين والصحفيين، وملاحقة الجناة ضمن إجراءات شفافة تمنع الإفلات من العقاب.
وتكمن أهمية حضرموت في أنها ليست محافظة هامشية في المعادلة اليمنية. فهي تمتلك موقعًا جغرافيًا واسعًا على البحر العربي، وثقلاً اقتصاديًا ونفطيًا، وحضورًا سياسيًا مؤثرًا في مستقبل أي تسوية يمنية. لذلك، فإن أي اهتزاز أمني في المكلا أو ساحل حضرموت قد ينعكس على ثقة السكان والمؤسسات والشركاء الدوليين بقدرة المحافظة على البقاء خارج دوائر العنف المنظم.
ويبدو أن الاختبار المقبل لن يكون في حجم الإدانات، بل في مسار التحقيقات ونتائجها. فالكشف السريع والمهني عن ملابسات الجريمة، وتحديد المنفذين ومن يقف وراءهم، سيمثلان عاملًا حاسمًا في احتواء التداعيات. أما بقاء القضية مفتوحة أو غامضة، فقد يوسع من دائرة الشكوك، ويمنح الأطراف المتنافسة فرصة لتوظيفها سياسيًا، ويضعف صورة الأمن المحلي في واحدة من أكثر محافظات اليمن حساسية.
وفي نهاية المطاف، يضع اغتيال محمد العيضة حضرموت أمام لحظة اختبار. فإما أن تتحول الجريمة إلى مدخل لتعزيز التحقيقات الجنائية وحماية الصحفيين وتحصين المكلا من عودة الاغتيالات، أو تصبح مؤشرًا على مرحلة أكثر تعقيدًا في بيئة أمنية لا تزال تتأثر بتوازنات محلية وإقليمية أوسع. وبين هذين المسارين، ستظل شفافية التحقيق ومحاسبة الجناة العامل الأهم في منع الجريمة من التحول إلى رسالة خوف طويلة الأمد.
مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام
