
الساعة 12:58 صباحاً بتوقيت عدن
تشهد المياه الممتدة من خليج عدن إلى البحر الأحمر تحولات أمنية متسارعة تتجاوز في دلالاتها عودة حوادث القرصنة البحرية قبالة السواحل الصومالية. فهذه التطورات تأتي في لحظة إقليمية تتسم بتزايد الضغوط على الممرات البحرية الاستراتيجية، واستمرار التوترات المرتبطة بالمواجهة الأمريكية والإسرائيلية مع إيران، إلى جانب الاضطرابات التي شهدتها الملاحة الدولية في البحر الأحمر خلال العامين الماضيين.
وفي هذا السياق، تبدو القرصنة جزءاً من مشهد أوسع يعكس تراجع فعالية منظومات الردع التقليدية، وعودة الفاعلين غير الحكوميين إلى استغلال الفراغات الأمنية الممتدة على جانبي باب المندب.
ولا تنبع أهمية هذه التطورات من الخسائر الاقتصادية المباشرة أو المخاطر التي تواجه السفن التجارية فحسب، بل من كونها تعيد تشكيل البيئة الأمنية المحيطة باليمن. فكلما ازدادت هشاشة المجال البحري في البحر الأحمر وخليج عدن، ازدادت صعوبة فصل الملف اليمني عن التفاعلات الإقليمية والدولية المحيطة به. كما أن تصاعد التهديدات البحرية يهدد بإعادة ترتيب أولويات القوى الدولية، من دعم مسارات التسوية والاستقرار إلى التركيز مجدداً على متطلبات الأمن البحري واحتواء المخاطر العابرة للحدود.
تراجع الردع وتبدل الأولويات
لم تكن عودة القرصنة الصومالية حدثاً مفاجئاً بقدر ما كانت نتيجة تراكمات أمنية وسياسية شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. فبعد أن نجحت الجهود الدولية بين عامي 2008 و2012 في تقليص نشاط القراصنة بصورة كبيرة، بدأت أولويات القوى البحرية العالمية تتغير تدريجياً مع اندلاع أزمات جديدة في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط. وأدى هذا التحول إلى تقليص الموارد والقدرات المخصصة لمراقبة بعض المساحات البحرية الممتدة في خليج عدن والمحيط الهندي.
في الوقت نفسه، أسهمت هشاشة الدولة الصومالية واستمرار نفوذ الجماعات المسلحة والشبكات الإجرامية في توفير بيئة مواتية لإعادة تنشيط أنشطة القرصنة. ومع تصاعد الضغوط على مصادر التمويل التقليدية لبعض الجماعات المسلحة، عادت الأنشطة البحرية غير المشروعة لتشكل مصدراً محتملاً للعائدات المالية.
وتُظهر المؤشرات الميدانية والتقارير الراصدة لحركة الملاحة خلال العامين الماضيين تنامياً ملحوظاً في أنشطة التهريب العابرة لخليج عدن، بما في ذلك شبكات مرتبطة بتهريب الأسلحة والذخائر والأفراد.

كما برزت مؤشرات متزايدة حول وجود قنوات تواصل ومصالح متقاطعة بين عناصر مرتبطة بحركة أنصار الله في اليمن وحركة الشباب الصومالية، رغم التباينات الأيديولوجية بين الطرفين. ويعكس ذلك اتجاهاً متنامياً نحو بناء شبكات تعاون قائمة على المصالح اللوجستية والاقتصادية أكثر من ارتباطها بالاعتبارات الفكرية أو العقائدية.
اليمن والأمن البحري الإقليمي
تكتسب هذه التطورات أهمية مضاعفة بالنسبة لليمن، نظراً لموقعه المباشر على أحد أهم الممرات البحرية العالمية. فباب المندب لم يعد مجرد ممر لعبور التجارة الدولية، بل أصبح نقطة التقاء لمجموعة متشابكة من التهديدات تشمل القرصنة والتهريب والصراعات المسلحة والتنافسات الإقليمية.
ومن هذا المنظور، فإن أخطر ما تكشفه عودة القرصنة ليس ارتفاع عدد الهجمات البحرية بحد ذاته، بل اتساع نطاق التداخل بين الجريمة المنظمة والصراعات المسلحة على ضفتي البحر الأحمر. فكلما تزايدت أنشطة التهريب وتراجعت مستويات الرقابة البحرية، ازدادت قدرة الفاعلين غير الحكوميين على تبادل الموارد والخبرات والخدمات اللوجستية، بما يرفع مستوى المخاطر على أمن الملاحة والتجارة الدولية.
ويرى مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام أن استقرار اليمن بات يرتبط بصورة متزايدة بقدرة المنطقة على منع تحول البحر الأحمر وخليج عدن إلى فضاء مفتوح للفوضى الأمنية. فاستمرار التهديدات البحرية لا يرفع كلفة التجارة والشحن فقط، بل يهدد أيضاً البيئة الضرورية لأي تقدم سياسي مستدام داخل اليمن.
وفي هذا الإطار، تبدو الحاجة متزايدة إلى مقاربة أمنية تجمع بين الجهود الدولية والقدرات المحلية. فتعزيز دور خفر السواحل والقوات الأمنية المنتشرة على امتداد السواحل الجنوبية في عدن وحضرموت والمهرة يمكن أن يشكل أحد أهم خطوط الدفاع المتقدمة ضد شبكات التهريب والقرصنة والأنشطة العابرة للحدود. كما أن حماية الممرات البحرية لم تعد قضية أمنية منفصلة عن عملية السلام، بل أصبحت جزءاً من شروط الحفاظ على الاستقرار الإقليمي ومنع انزلاق المنطقة إلى دورة جديدة من الفوضى الممتدة عبر البحر الأحمر وخليج عدن.
مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام
