
الساعة 5 مساءً بتوقيت عدن
يمثل الاتفاق الذي جرى في 14 مايو/ آيار الجاري بشأن تبادل الأسرى والمحتجزين بين الأطراف اليمنية، والذي تم التوصل إليه برعاية الأمم المتحدة في العاصمة الأردنية عمّان، أحد أبرز التطورات الإنسانية والسياسية المرتبطة بالنزاع اليمني خلال الأشهر الأخيرة.
فالاتفاق، الذي يشمل الإفراج عن أكثر من 1600 محتجز من مختلف الأطراف يعكس قدرة المسارات التفاوضية الجزئية على الاستمرار رغم التعقيدات الإقليمية المحيطة باليمن.
وقد وصف المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الاتفاق بأنه “لحظة ارتياح كبير لآلاف اليمنيين”، معتبرًا أن ما تحقق يعكس قدرة الحوار المستمر على تحقيق اختراقات تدريجية حتى في ظل البيئة الإقليمية المعقدة المحيطة باليمن.
ويأتي هذا التطور في لحظة إقليمية تتسم بارتفاع مستويات التوتر في البحر الأحمر والخليج، ما يمنح أي تقدم في الملف اليمني أهمية إضافية تتجاوز البعد الإنساني المباشر.
كما أن نجاح المفاوضات بعد أسابيع طويلة من المشاورات يعيد إحياء النقاش حول إمكانية البناء على الملفات الإنسانية باعتبارها مدخلًا تدريجيًا لاستعادة الثقة بين الأطراف اليمنية، في وقت لا تزال فيه العملية السياسية الشاملة تواجه حالة جمود ممتدة.
وبينما تنظر الأمم المتحدة إلى الاتفاق باعتباره مؤشرًا على إمكانية تحقيق اختراقات عبر الحوار، يبقى السؤال الأهم متعلقًا بقدرة هذا الزخم الإنساني على الصمود أمام هشاشة البيئة السياسية والأمنية المحيطة باليمن.
مسار إنساني معقد
يعكس التوصل إلى أكبر صفقة تبادل منذ بداية النزاع الحالي استمرار ملف الأسرى والمحتجزين كأحد الملفات القليلة القادرة على الحفاظ على قنوات التواصل بين الأطراف اليمنية، رغم تعثر العديد من المسارات السياسية الأخرى.
فالاتفاق الجديد، الذي جاء بعد جولات تفاوضية امتدت بين مسقط وعمّان، يشير إلى أن القضايا الإنسانية لا تزال تمثل مساحة ممكنة للتفاهم حتى في ظل تصاعد التوترات الإقليمية المحيطة بالملف اليمني.
وكان رئيس لجنة الأسرى في حركة أنصار الله اليمنية عبدالقادر المرتضى قد أعلن أن الاتفاق يشمل أكثر من 1600 محتجز من الجانبين، بينهم أسرى سعوديون وسودانيون، في مؤشر يعكس استمرار الأبعاد الإقليمية للنزاع اليمني حتى داخل المسارات الإنسانية والتفاوضية.
وتشير القراءة التحليلية لمركز أوسان للإعلام وتحليل السلام إلى أن أهمية الاتفاق لا تكمن فقط في عدد المشمولين بعمليات الإفراج، بل في توقيته السياسي أيضًا. إذ يأتي في مرحلة تتزايد فيها المخاوف من انعكاس التصعيد الإقليمي على مسار التهدئة اليمنية، ما يجعل أي تقدم تفاوضي، ولو في الملفات الجزئية، عنصرًا مهمًا في الحفاظ على الحد الأدنى من الزخم السياسي ومنع عودة الجمود الكامل إلى العملية التفاوضية.
كما يعكس استمرار المفاوضات الخاصة بالمحتجزين إدراكًا متبادلًا لدى الأطراف اليمنية بأن الملف الإنساني بات يحمل حساسية اجتماعية وسياسية متزايدة، خصوصًا مع اتساع الضغوط المرتبطة بالأوضاع الاقتصادية والإنسانية داخل البلاد.
وفي هذا السياق، تبدو الأمم المتحدة حريصة على توظيف ملف الأسرى باعتباره أحد المسارات القادرة على إنتاج حد أدنى من الثقة المتبادلة، بما يسمح بالحفاظ على قنوات التواصل السياسي مفتوحة، حتى في ظل تعثر الملفات الأكثر تعقيدًا.
سلام هش وفرص محدودة
رغم الأهمية الإنسانية والسياسية للاتفاق، إلا أن قدرته على إحداث تحول جوهري في مسار النزاع اليمني تبقى مرتبطة بمدى إمكانية البناء عليه ضمن إطار أوسع يشمل الملفات الاقتصادية والسياسية والأمنية.
فالتجارب السابقة أظهرت أن النجاحات الجزئية في ملف الأسرى لم تكن كافية وحدها لإحداث اختراق مستدام في العملية السياسية، خصوصًا مع استمرار حالة الاستقطاب الإقليمي وتعدد مراكز النفوذ داخل اليمن.
ويرى مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام أن الاتفاق الحالي يعكس استمرار الرهان الدولي على سياسة “الخطوات التدريجية” في إدارة الأزمة اليمنية، حيث يجري التركيز على الملفات الإنسانية وبناء الثقة بدل الدفع نحو تسوية شاملة وسريعة تبدو شروطها السياسية غير ناضجة حتى الآن.
كما أن ارتباط الاتفاق برعاية إقليمية ودولية واسعة، شملت الأمم المتحدة وسلطنة عُمان والأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر، يعكس استمرار الحاجة إلى مظلة خارجية للحفاظ على استقرار المسارات التفاوضية اليمنية.
كما تعكس النقاشات المرافقة للاتفاق استمرار التعقيدات المرتبطة ببعض الملفات الحساسة داخل قضية المحتجزين، وفي مقدمتها ملف السياسي اليمني محمد قحطان. وفي هذا السياق، دعا رئيس منظمة “فكر” للحوار والدفاع عن الحريات، عبدالعزيز العقاب، إلى عدم ربط تنفيذ اتفاقات الإفراج الواسعة بالقضايا الخلافية الأكثر تعقيدًا، معتبرًا أن الحفاظ على الزخم الإنساني الحالي يمثل خطوة ضرورية لاستمرار بناء الثقة بين الأطراف اليمنية.
وفي المقابل، لا تزال البيئة المحيطة بالاتفاق شديدة الهشاشة، خصوصًا مع استمرار التوترات في البحر الأحمر وتعقيد العلاقة بين المسار اليمني والتطورات الإقليمية الأوسع.
كما أن استمرار الجدل المرتبط بملفات الاحتجاز والأحكام القضائية المثيرة للجدل يوضح أن الملف الإنساني في اليمن لا يزال يتجاوز مجرد تبادل الأسرى، ليرتبط بإشكاليات أعمق تتعلق ببنية الصراع ومؤسسات العدالة والثقة بين الأطراف.
ولهذا، فإن نجاح الاتفاق الحالي قد لا يُقاس فقط بعدد المفرج عنهم، بل بقدرته على خلق ديناميكية تفاوضية قابلة للاستمرار، تمنع عودة الجمود الكامل إلى مسار السلام اليمني، وتوفر مساحة أوسع لمعالجة الملفات الإنسانية والسياسية الأكثر تعقيدًا في المرحلة المقبلة.
مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام
