
الساعة 2 مساءً بتوقيت عدن
عكست التحركات الأمريكية الأخيرة تجاه إريتريا تحولًا متسارعًا في مقاربة واشنطن للأمن البحري في البحر الأحمر، في ظل تزايد القلق الدولي من احتمالات تعطل الممرات الاستراتيجية الممتدة من مضيق هرمز إلى باب المندب. فمع تصاعد التوتر المرتبط بإيران، وتزايد هشاشة أسواق الطاقة العالمية، بات ينظر إلى البحر الأحمر باعتباره جزءًا من معادلة الردع والاحتواء التي تعيد تشكيل توازنات المنطقة بأكملها.
غير أن هذا التحول يمنح اليمن موقعًا أكثر مركزية داخل الحسابات الدولية، بحكم إشرافه المباشر على باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية عالميًا. ومع استمرار ارتباط حركة أنصار الله اليمنية بالتوترات الإقليمية المحيطة بالبحر الأحمر والخليج، باتت التهدئة اليمنية أكثر تأثرًا بالتصعيد البحري والتحولات الجيوسياسية المحيطة بالمنطقة. وبدلًا من أن يتحرك الملف اليمني نحو تسوية مستقلة، يبدو أنه يندمج تدريجيًا ضمن بنية أمنية أوسع، تتداخل فيها اعتبارات الطاقة والملاحة والردع الإقليمي مع مستقبل السلام في اليمن.
البحر الأحمر وإعادة التموضع
تكشف محاولات واشنطن إعادة تطبيع العلاقات مع إريتريا عن إدراك متزايد بأن أمن البحر الأحمر لم يعد منفصلًا عن استقرار اليمن. فمع تصاعد المخاوف من تعطل مضيق هرمز، برز باب المندب باعتباره المسار الأكثر حساسية لتدفقات الطاقة الخليجية نحو الأسواق العالمية، وهو ما أعاد توجيه الاهتمام الأمريكي نحو الضفة الإفريقية المقابلة للساحل اليمني.
لكن هذا التحول لا يتعلق فقط بحماية الملاحة، بل بإعادة بناء شبكة نفوذ قادرة على احتواء أي تهديد محتمل للممرات البحرية. وفي هذا السياق، يتحول اليمن تدريجيًا من ساحة نزاع محلية إلى عنصر رئيسي في معادلة الأمن البحري الدولي. فالتطورات الأخيرة أظهرت أن أي اضطراب محدود قرب باب المندب قادر على إحداث تأثير يتجاوز اليمن نفسه، ليطال أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وتشير القراءة التحليلية لمركز أوسان للإعلام وتحليل السلام إلى أن تصاعد الاهتمام الدولي بالبحر الأحمر يعكس تحولًا أعمق في موقع اليمن داخل الحسابات الجيوسياسية الإقليمية، حيث لم يعد يُنظر إلى البلاد باعتبارها ساحة نزاع داخلية فقط، بل كجزء من منظومة الردع البحري المرتبطة بأمن الطاقة العالمي. ويمنح هذا التحول الفاعلين اليمنيين مساحة تأثير أكبر في التوازنات الإقليمية، لكنه في الوقت نفسه يزيد من تعقيد فرص الوصول إلى تسوية مستقرة ومنفصلة عن مسارات التصعيد الإقليمي.
كما أن تنامي الحضور الدولي في البحر الأحمر يعكس تراجع الرهان على احتواء التوتر عبر المسارات السياسية وحدها. فالقوى الدولية باتت تتعامل مع اليمن بصورة متزايدة من زاوية “إدارة المخاطر البحرية”، لا من زاوية بناء تسوية سياسية شاملة. وهذا التحول يحمل مخاطر طويلة الأمد، لأنه يعيد تعريف الأزمة اليمنية باعتبارها قضية أمن ممرات أكثر من كونها أزمة دولة وصراع داخلي معقد.
سلام هش تحت الضغط
تتزايد هشاشة مسار التهدئة اليمنية كلما تعمق ارتباطه بالتوازنات الإقليمية المحيطة بإيران والبحر الأحمر. فالتحليلات الغربية الأخيرة تشير إلى أن الصراع مع طهران دخل مرحلة استنزاف ممتدة، حيث تراهن الأطراف المختلفة على الضغط التدريجي بدل المواجهة المباشرة. وفي ظل هذه البيئة، تكتسب الجغرافيا اليمنية أهمية استثنائية باعتبارها نقطة تماس مباشرة مع أحد أهم خطوط التجارة والطاقة عالميًا.
ويعني ذلك أن مستقبل السلام في اليمن لم يعد مرتبطًا فقط بالتفاهمات المحلية أو الإقليمية التقليدية، بل أيضًا بكيفية إدارة الصراع البحري الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران. فكلما ارتفع التوتر في البحر الأحمر، تراجعت فرص تثبيت تهدئة مستقرة داخل اليمن، لأن الفاعلين الإقليميين ينظرون إلى الساحة اليمنية باعتبارها جزءًا من أدوات الردع المتبادل.
ويرى مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام أن استمرار ربط التهدئة اليمنية بمسارات التصعيد الإقليمي يجعل خارطة الطريق السياسية أكثر هشاشة أمام التحولات الخارجية، خصوصًا مع تزايد اعتماد القوى الدولية على مقاربات الاحتواء البحري بدل الدفع نحو تسوية شاملة. كما أن استمرار حالة “اللاحسم” الإقليمي يمنح مختلف الأطراف مساحة أوسع لإدارة الصراع دون الوصول إلى نقطة الانفجار أو التسوية النهائية، وهو ما ينعكس مباشرة على فرص الاستقرار طويل الأمد داخل اليمن.
وفي المقابل، تظل المقاربة الدولية الحالية مركزة بصورة أساسية على منع الانفجار البحري، أكثر من تركيزها على معالجة جذور الأزمة اليمنية نفسها. فالقوى الكبرى تبدو معنية بالحفاظ على انسياب التجارة والطاقة، حتى لو استمر الجمود السياسي داخل اليمن. ومع مرور الوقت، قد يؤدي ذلك إلى ترسيخ نمط “اللاحرب واللاسلم”، حيث تبقى التهدئة قائمة شكليًا، لكنها تفتقر إلى الأسس السياسية والاقتصادية القادرة على تحويلها إلى سلام مستدام.
ولهذا، فإن أخطر ما يواجه اليمن اليوم هو تحوله إلى ساحة دائمة لإدارة التوازنات البحرية والإقليمية، بما يبقي عملية السلام رهينة لتحولات لا تُصنع داخل اليمن نفسه.
مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام
