الساعة 1 مساءً بتوقيت عدن

مركز أوسان | أحمد حسن

وصلت الأزمة اليمنية، في أواخر مارس 2026، إلى منعطف هو الأكثر حساسية منذ تثبيت حالة “اللاحرب واللاسلم”، مع انتقال حركة أنصار الله في اليمن (الحوثيين) من مستوى التموضع السياسي إلى الانخراط العملياتي المباشر في الصراع الإقليمي عبر إطلاق صاروخ باليستي نحو إسرائيل في 28 مارس. ويعكس هذا التطور، وما تبعه من تهديدات متبادلة وتلويح إسرائيلي بالرد، تراجعًا واضحًا في فرضية “تجزئة النزاعات” التي سمحت سابقًا بإبقاء اليمن، ولو جزئيًا، خارج قلب الاشتباك الإقليمي.

تبرز خطورة هذا التحول لتزامنه مع تعثر تنفيذ “خارطة الطريق” وانسداد الأفق السياسي المحلي، الأمر الذي يقلص المسافة الفاصلة بين الصراع الوطني اليمني وبين الاستقطابات الإقليمية العابرة للحدود. وبدل أن يبقى اليمن ملفًا يبحث عن تسوية داخلية، يبدو أنه يتجه تدريجيًا إلى موقع أكثر التصاقًا بحسابات الردع والضغط المتبادل بين الفاعلين الدوليين.

تآكل السيادة ومنطق الفعل الموازي

تكشف التطورات الأخيرة عن اتساع الفجوة بين منطق الدولة ومنطق الفعل المسلح خارج مؤسساتها السيادية. ففي الوقت الذي أعلنت فيه الحكومة اليمنية، في 28 مارس، أن قرار الحرب والسلم “حق سيادي حصري للدولة”، جاءت التصريحات الصادرة من صنعاء التي تؤكد استمرار وتصاعد العمليات العسكرية لتكرس واقعًا مغايرًا، تتحرك فيه قرارات ذات طابع استراتيجي خارج الإطار المؤسسي للدولة.

ويرى مركز أوسان أن خطورة هذا المشهد لا تتوقف عند حدود التصعيد العسكري ذاته، بل تمتد إلى ما يمكن وصفه بـ”الانكشاف السيادي”، حيث تصبح الجغرافيا اليمنية جزءًا من منظومة ردع إقليمية لا تُدار وفق أولويات السلام الداخلي أو متطلبات الاستقرار الوطني. وحين تُستخدم الأراضي اليمنية لتبادل الرسائل العسكرية في صراعات أوسع، فإن ذلك يضعف قدرة الفاعلين المحليين على المناورة السياسية، ويزيد من احتمالات التعامل مع اليمن دوليًا بوصفه “ساحة تشغيل جيوسياسي” أكثر من كونه ملفًا وطنيًا يحتاج إلى تسوية مستدامة.

ارتهان التهدئة ومآلات الوساطة

على مستوى المسار السياسي، يبرز تطور أكثر إشكالية يتمثل في الربط المتزايد بين تعثر الملفات الداخلية، خصوصًا الاقتصادية والإنسانية، وبين مبررات التصعيد الخارجي. فحين يُعاد توظيف ملفات مثل الرواتب أو الترتيبات الاقتصادية ضمن خطاب اشتباك إقليمي أوسع، فإن التهدئة تتراجع من كونها أرضية للحل إلى مجرد أداة لإعادة ترتيب أوراق الضغط.

وفي قراءة حديثة لذلك، أشارت وكالة أسوشيتد برس إلى أن عودة الهجمات الصاروخية المنطلقة من اليمن باتجاه إسرائيل عمّقت المخاوف من احتمال استئناف التهديدات ضد الملاحة في البحر الأحمر، خصوصاً في محيط مضيق باب المندب، بما يربط التصعيد اليمني مجدداً بأمن التجارة العالمية وأسواق الطاقة. كما لفتت الوكالة إلى أن أي اتساع للهجمات في هذا الممر الحيوي قد يعيد إنتاج اضطرابات الشحن التي دفعت سابقاً شركات نقل كبرى إلى تجنب هذا المسار البحري الحساس.

ومن هنا، فإن الخطر لا يكمن فقط في اتساع رقعة المواجهة، بل في فقدان الملف اليمني لاستقلاليته السياسية؛ فكلما تعمق حضور اليمن داخل معادلات الردع البحري في البحر الأحمر وباب المندب، تضاءلت فرص إبقاء مسار السلام ضمن حدوده الوطنية، وتعقدت مهمة الوسطاء الإقليميين والدوليين في منع انهيار التهدئة الهشة.

ويرى مركز أوسان أن استدامة السلام في اليمن باتت ترتبط، أكثر من أي وقت مضى، بقدرة الأطراف الفاعلة على تحييد الجغرافيا اليمنية عن الصراعات الإقليمية، واستعادة الملكية الوطنية للقرار السيادي، وفصل المطالب المعيشية والحقوقية لليمنيين عن حسابات الردع والمواجهة خارج الحدود. وبدون هذا الفصل، ستظل التهدئة معرضة للاهتزاز مع كل موجة تصعيد إقليمي، وسيبقى اليمن مهددًا بالانزلاق من مسار التسوية إلى منطق الاستنزاف المفتوح.

المدير التنفيذي لمركز أوسان

مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام