الساعة 11 مساءً بتوقيت عدن

مركز أوسان|

يشهد الدور الأممي في اليمن، بحلول مارس الجاري، حالة من “الانكماش العملياتي” غير المسبوق؛ حيث انتقلت المنظمة الدولية من مربع إدارة الأزمة والوساطة السياسية إلى مربع الدفاع عن الوجود المؤسسي وتأمين الحماية القانونية لكوادرها.

ويرصد مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام تحولاً جذرياً في طبيعة العلاقة بين المجتمع الدولي وسلطات الأمر الواقع في صنعاء، إثر تعرض “الحصانة الدبلوماسية” ومسارات العمل الإغاثي لضغوط أمنية وسياسية حادة. ففي الوقت الذي جددت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة والمفوضية السامية لحقوق الإنسان مطالبتهما لحركة أنصار الله في اليمن (الحوثيين) بالإفراج الفوري عن 73 موظفاً أممياً محتجزاً تعسفياً، تبرز معضلة مصادرة الأصول وتقييد حركة الطيران الإنساني كعوائق بنيوية تهدد بتفكيك البنية التحتية للسلام.

ويرى المركز أن هذا الانسداد يتجاوز التعقيد اللوجستي ليمس جوهر عملية السلام؛ إذ إن تجريد الوسطاء من أدواتهم وحصانتهم يحوّل اليمن إلى بيئة “عالية المخاطر”، مما يضعف قنوات التواصل الضرورية لبناء الثقة، ويدفع حتماً نحو تدويل ملف الحماية على حساب مسارات التسوية الوطنية المستدامة.

الاستهداف الهيكلي وتآكل الثقة

تشير القراءة الاستراتيجية لمركز أوسان إلى أن التضييق الممارس على المنظمات الدولية انتقل فعلياً إلى مرحلة “الاستهداف الهيكلي” للأصول والكوادر، مما يقوض فرص إرساء “السلام التقني”. فمنذ يناير 2026، كشف المنسق الأممي عن مصادرة معدات ومركبات تابعة لستة مكاتب أممية في صنعاء، بالتزامن مع تعليق رحلات الأمم المتحدة للمساعدة الإنسانية (UNHAS). يتوازى هذا المسار مع نهج “تسييس العدالة”، الذي تجلى في أحكام الإعدام الصادرة في نوفمبر 2025 بحق 17 مواطناً بتهم “التجسس”، وهي الخطوة التي وصفتها واشنطن ولندن بمحاكمات صورية تهدف لفرض السيطرة عبر الترهيب.

ويؤكد مركز أوسان أن هذه الإجراءات الأحادية تخلق فجوة ثقة عميقة بين سلطات صنعاء والمانحين الدوليين؛ فاحتجاز الكوادر يفرغ العمل الإغاثي من محتواه المستقل، ويحول موظفي الإغاثة إلى “أطراف في النزاع”، مما يعقد بيئة التفاوض السياسية. إن غياب الضمانات الأمنية التي تشترطها الأمم المتحدة، التزاماً بقراري مجلس الأمن 2801 و2813، يجعل من استئناف مسار “خارطة الطريق” أمراً بالغ الصعوبة، حيث تصبح الحماية القانونية للوسطاء شرطاً مسبقاً لأي تقدم سياسي محتمل في الملف اليمني.

إعادة التموضع ومخاطر الرقابة

يمثل قرار مجلس الأمن رقم 2813 الصادر في يناير 2026، والقاضي بإنهاء ولاية بعثة (أونمها) في الحديدة ونقل مهامها لمكتب المبعوث الأممي، إعادة تموضع استراتيجي للمجتمع الدولي تجاه الملف اليمني. كما أن الانتقال الذي حظي بدعم بريطاني وتحفظ روسي صيني، يعكس قناعة دولية بتعذر الاستمرار في “مسار ستوكهولم” تحت وطأة الضغوط الأمنية المستمرة. ورغم أن دمج المهام يهدف لتوحيد الجهود السياسية، إلا أنه يحمل مخاطرة تتمثل في فقدان “آليات الرقابة الميدانية” في واحدة من أكثر المناطق حساسية.

ويرى مركز أوسان في المواقف الأممية الأخيرة تصعيداً دبلوماسياً يهدف إلى عزل “الانتهاكات الحقوقية” عن مسار “التسويات السياسية”. وفي ذات الوقت، يشدد المركز على أن استعادة مسار السلام تتطلب إرساء “ميثاق لحماية الفضاء المدني” يفصل بشكل قاطع بين الخلافات السياسية وحرمة العمل الإنساني.

مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام

وحدة الدراسات والسياسات الاستراتيجية