الساعة 2 مساءً بتوقيت عدن
مركز أوسان | مريم عمر

بلغت معادلة الاشتباك بين أمن الممرات المائية وتوازنات الردع الإقليمي ذروة التعقيد، مع تحول جغرافيا “هرمز” و”باب المندب” إلى كتلة استراتيجية واحدة في حسابات القوى. فقد انتقل الخطاب الإيراني من التهديد الدفاعي إلى الإعلان الصريح الصادر في 25 مارس 2026 عن القدرة على خلق “تهديدات مضاعفة” في مضيق باب المندب رداً على أي تحرك بري أمريكي يستهدف أراضيها أو جزرها، وهو ما يضع الملاحة الدولية أمام سيناريو “توسيع ساحات الضغط”.

ويذهب تقدير مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام نحو قراءة هذا التداخل مع الانسداد المقلق في المسار السياسي اليمني بوصفه تحولاً يقوض آفاق التسوية الوطنية؛ إذ إن تصريحات مهدي المشاط الصادرة في 25 مارس 2026، والتي تضمنت اتهامات للرياض وواشنطن بـ “المماطلة” في تنفيذ خارطة الطريق، تعكس ارتهان الملف اليمني بديناميكيات التصعيد الإقليمية، مما يحول اليمن من ساحة للتسوية إلى منصة كبرى للمقايضة الجيوسياسية.

وتعززت هذه القراءة بعد أن نقلت وكالة رويترز عن قيادي حوثي تأكيده الاستعداد لضرب مضيق باب المندب مجدداً “تضامناً مع إيران”، مع الإشارة إلى أن الجماعة “على أتم الاستعداد العسكري بكافة الخيارات”، وأن تحديد “ساعة الصفر” متروك للقيادة. كما أضاف المصدر نفسه أن الجماعة قد تنضم إلى الحرب إذا تطورت المعركة على نحو لا يخدم طهران، في مؤشر واضح على أن قرار التصعيد في الساحة اليمنية بات يُقدَّم ضمن هندسة ردع إقليمية أوسع، لا بوصفه امتداداً لحسابات يمنية داخلية فقط. وتُظهر هذه التصريحات أن باب المندب بات يُستخدم كمنصة ضغط استراتيجية قابلة للتفعيل وفق إيقاع الحرب الإقليمية وتوازناتها لا كورقة تهديد بحرية فحسب.

إخفاق الردع والدروس المستفادة من البحر الأحمر

تشير المعطيات التحليلية التي أوردتها وكالة رويترز في 25 مارس الجاري، إلى أن القوى الغربية تواجه “إخفاقاً استراتيجياً” في تأمين الملاحة الدولية؛ فالتجربة المكلفة في البحر الأحمر -التي شهدت غرق عددا من السفن وإنفاق ملايين الدولارات على الأسلحة- لم تنجح في إعادة حركة التجارة لوضعها الطبيعي. وبحسب تقرير رويترز، فإن حماية مضيق هرمز ستكون أكثر تعقيداً بكثير نظراً لتباين القدرات العسكرية والجغرافية بين طهران والتهديدات السابقة في البحر الأحمر.

وتزداد خطورة هذا السيناريو حين يُقرأ في ضوء التصريحات الحوثية الأخيرة التي لم تكتفِ بإحياء احتمال استهداف باب المندب، بل قدّمت ذلك كخيار عسكري جاهز وقابل للتفعيل تبعاً لمسار المواجهة الإقليمية. فالتلويح العلني بإعادة فتح جبهة البحر الأحمر يعني عملياً أن الممرات المائية أصبحت جزءاً من معمار الضغط المتبادل بين القوى الإقليمية والدولية. ومن شأن هذا التموضع أن يعيد الأسواق وشركات الشحن والتأمين إلى منطق “الخطر المسبق”، حتى قبل وقوع أي هجوم فعلي، وهو ما يضاعف الكلفة الاقتصادية على اليمن والمنطقة ويبدد مؤشرات التعافي النسبي في الملاحة عبر البحر الأحمر.

وتخلص القراءة التحليلية لمركز أوسان إلى أن إعادة إدراج باب المندب في معادلة الردع الإيرانية يرفع كلفة التأمين والشحن ويضاعف الضغوط الاقتصادية على اليمن قبل وقوع أي مواجهة فعليّة. كما أن العجز الدولي عن تحييد التهديدات في الممرات المائية يمنح الأطراف الإقليمية ميزة لفرض شروطها، ويحول الملاحة من خدمة تجارية عالمية إلى أداة لـ “توازن الردع” العابر للحدود.

خارطة الطريق ومأزق الارتهان السياسي

تمثل تصريحات المشاط مؤشراً على انحسار الثقة في مسارات التهدئة القائمة؛ فالاتهامات الموجهة للمملكة العربية السعودية بـ “عرقلة الالتزامات” وتأكيد “الوقوف الكامل” إلى جانب طهران، يكشفان عن تداخل بنيوي للملف اليمني بحسابات الخارج.

وفي مقابل هذا التصعيد الخطابي والعسكري، عكست تحركات الأمم المتحدة إدراكاً متزايداً لخطورة انزلاق اليمن مجدداً إلى قلب المواجهة الإقليمية. فقد أعلن مكتب المبعوث الأممي أن هانس غروندبرغ اختتم زيارة إلى واشنطن ناقش خلالها مع مسؤولين أمريكيين وخبراء تطورات اليمن والمنطقة، مؤكداً ضرورة تجنيب اليمن الانجرار إلى التصعيد الإقليمي والحفاظ على مساحة لعملية السلام، إلى جانب التشديد على أهمية الدعم الإقليمي والدولي لعملية سياسية جامعة برعاية أممية.

غير أن هذا المسعى الأممي يصطدم بواقع ميداني وسياسي يتجه في الاتجاه المعاكس، حيث تتزايد مؤشرات إعادة ربط الملف اليمني بأجندات الردع والاشتباك في الإقليم، بما يهدد بتفريغ خارطة الطريق من مضمونها العملي وتحويلها إلى إطار هشّ يتأثر بأي تحول عسكري خارج الحدود اليمنية.

ويشير المنظور الاستراتيجي لمركز أوسان إلى أن هذا التموضع يضع “خارطة الطريق” أمام اختبار مصيري؛ إذ تصبح الملفات الإنسانية -كالرواتب وفتح المطارات- أوراق ضغط يتم تحريكها وفقاً لدرجة التوتر في الخليج وبحر العرب. لذلك، فإن الربط العلني بين الجاهزية العسكرية اليمنية واحتياجات الدفاع الإقليمية يقلص من جدوى مفاوضات “بناء الثقة” التقليدية، ويجعل من استئناف العملية السياسية رهينة لتفاهمات كبرى تتجاوز الفاعلين المحليين.

ويمثل فك الارتباط بين الاستحقاقات المعيشية لليمنيين وبين حسابات القوى الكبرى المخرج الوحيد لاستعادة الاستقرار ومنع تحويل اليمن إلى ساحة استنزاف دائم؛ فبقاء الجغرافيا الوطنية رهينة لمعادلات الردع في هرمز يعني عملياً تجريف “الملكية الوطنية” لقرار السلام، وتبديد آمال اليمنيين في تسوية مستدامة لا تتأثر بصراعات الاستقطاب العابرة للحدود التي تتجاوز المصالح الوطنية اليمنية.

وتؤكد التصريحات الحوثية الأخيرة، بالتوازي مع التحذيرات الأممية، أن اليمن بات يقف على حافة إعادة دمجه بالكامل في مسرح الاشتباك الإقليمي، لا بوصفه ملفاً سياسياً معلقاً فقط، بل كجبهة قابلة للتفعيل ضمن حسابات الردع والتصعيد. وفي حال استمر هذا المسار، فإن التهديد لن يطال الملاحة الدولية بقدر ما سيطال ما تبقى من فرص بناء سلام يمني مستقل يستند إلى أولويات الداخل لا إلى إيقاع الحروب العابرة للحدود.

رئيسة مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام

مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام