الساعة 8 مساءً بتوقيت عدن
مركز أوسان | مريم عمر

يمرّ اليمن بلحظة شديدة الحساسية تتقاطع فيها هشاشة المسار السياسي الداخلي مع تصاعد التوترات الإقليمية المرتبطة بالمواجهة مع إيران. فخلال الأيام الأخيرة، اتجه الخطاب الصادر عن حركة أنصار الله في اليمن إلى التلويح بخيارات أكثر جرأة، من بينها احتمال إغلاق مضيق باب المندب أمام ما تصفه الحركة بالدول “المعتدية”، إلى جانب توجيه رسائل تحذيرية للرياض على خلفية استضافة قواعد أمريكية.

هذا التحول لا يعني بالضرورة أن قرار الانخراط قد اتُّخذ نهائيًا، لكنه يكشف بوضوح أن الساحة اليمنية باتت أقرب من أي وقت مضى إلى التأثر المباشر بإيقاع المواجهة الإقليمية.

من منظور مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام، فإن خطورة هذه اللحظة ترتبط بتأثير احتمالات الانخراط اليمني في التصعيد الإقليمي على المسار السياسي الهش داخل البلاد أكثر من أي شيء آخر. فاليمن لا يزال يعيش منذ سنوات حالة “اللاحرب واللاسلم”، حيث نجحت التهدئة في خفض مستويات العنف دون أن تتحول بعد إلى تسوية سياسية شاملة. وأي انتقال من الخطاب التصعيدي إلى الفعل الميداني قد يهدد هذه المساحة المحدودة من الاستقرار، ويُضعف الجهود الأممية والدولية الساعية للحفاظ على مسار “خارطة الطريق”، معيداً الملف اليمني إلى قلب الاستقطابات الإقليمية بما يضعف فرص السلام التدريجي والمستدام.

الخطاب ومسارات الضغط

تعكس تصريحات أنصار الله الأخيرة تصعيدًا مدروسًا في بنية الخطاب السياسي، إذ توسّعت لتشمل التهديد بإغلاق باب المندب، واعتبار جميع الخيارات العسكرية مفتوحة، وتحذير السعودية من مخاطر الانخراط في أي مسار تصعيدي. ويفيد ذلك بأن الحركة تسعى إلى تثبيت موقعها ضمن معادلة الردع الإقليمي، مع استخدام الجغرافيا اليمنية كورقة ضغط ذات تأثير يتجاوز الداخل إلى أمن الملاحة والطاقة والتجارة الدولية.

إلى جانب ذلك، يمكن قراءة هذا التصعيد كـ “ورقة ضغط تكتيكية” تهدف إلى انتزاع تنازلات في مسار المفاوضات الداخلية المتعثرة، لا سيما ما يتعلق بالملفات الاقتصادية كرواتب الموظفين وشروط التسوية القادمة، وليس فقط لأهداف إقليمية بحتة. لكن هذا التصعيد الخطابي لا ينبغي قراءته بوصفه مؤشرًا حتميًا على قرار عسكري وشيك.

فالتجارب السابقة أظهرت أن الحركة تميل إلى الموازنة بين رفع السقف السياسي وبين ضبط التوقيت الميداني، خصوصًا حين تكون كلفة المواجهة واسعة. ومع ذلك، فإن مجرد إدخال باب المندب والرياض في معادلة التهديد يرفع مستوى الانكشاف اليمني، لأن أي تطور ميداني لاحق سيتحول سريعًا إلى ضغط مباشر على التهدئة القائمة وعلى البيئة الإقليمية المحيطة بها.

السلام في دائرة الخطر

تكمن خطورة التطورات الأخيرة في أنها تنقل اليمن من موقع المتأثر غير المباشر بالتوترات الإقليمية إلى موقع الساحة القابلة للاستخدام في إدارة الرسائل والضغوط. فإذا أصبح باب المندب جزءًا من معادلة الردع، وإذا دخلت السعودية مجددًا في خطاب التهديد، فإن ذلك يعني أن مسار السلام اليمني بات مهددًا ليس فقط بتعثر المفاوضات، وإنما بإعادة تعريف أولويات الأطراف من التهدئة إلى التموضع العسكري.

ومن منظور تحليل السلام، فإن أخطر ما في هذا التحول هو أنه يضغط على مسار لم يكتمل أصلًا. فالتهدئة التي صمدت خلال الفترة الماضية لم تُبنَ على تسوية نهائية، بل على توازنات حذرة وقنوات احتواء قابلة للاهتزاز.

ولهذا فإن أي تصعيد في البحر الأحمر أو أي تدهور في العلاقة مع الرياض قد يفتح الباب أمام دورة جديدة من الاستقطاب، ويقوض المساحات التي نشأت بصعوبة خلال الأعوام الأخيرة. ولن تقتصر تداعيات ذلك على نسف الجهود السياسية فحسب، بل ستؤدي حتماً إلى تعميق الانهيار الاقتصادي وتفاقم المعاناة الإنسانية، مما يضاعف كلفة التصعيد المباشرة على الداخل اليمني.

إن أولوية اللحظة، بالنسبة إلى اليمن، تكمن في منع التصعيد؛ حيث إن حماية السلام تتطلب تحييد الملف اليمني عن المواجهات الإقليمية، والحفاظ على قنوات التهدئة مع الجوار، ومنع تحويل الممرات البحرية أو الجغرافيا اليمنية إلى أدوات في صراع أوسع. وكلما تراجع هذا التحييد، تراجعت معه فرص الانتقال من الهدوء الهش إلى السلام المستدام.

المدير التنفيذي لمركز أوسان للإعلام وتحليل السلام